لا يفقهون بها، فهم بذلك عن الهدى محجوبون، وبأعمال أهل النار بسابق قدره يعملون].
وهذا أيضًا كما أنه في أمر الجنة كذلك أيضًا في أمر النار, وما قدره الله سبحانه وتعالى على خلقه كذلك, والله جل وعلا لو لم يخلق لهم بصرًا، وسمعًا، وعقلًا، وقلبًا، لم يعذبهم الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله عز وجل إنما عذبهم مع وجود السمع والبصر والقلب؛ لأنه به تقوم الحجة, فإذا قامت الحجة عليه ولم يعمل -يعني: أنه لم يستجب مع علمه- فكان معاندًا, ولهذا يقول الله جل وعلا: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6] , وما قال حتى يستجيب؛ لأنه ربما لا يستجيب, فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ [الرعد:40] , إنما على الرسول البلاغ, وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ [النور:54] , فعليه أن يُسمع بهذه الحواس التي آتاه الله عز وجل الإنسان الحجة, فإذا لم ينقاد, فإنه حينئذ تقوم عليه الحجة, واستحق حينئذ العقاب.
ولهذا الإنسان الذي لا يستجيب ويكتفي بالسماع والبصر والإدراك والوعي بقلبه من غير عمل فيه شبه بالبهائم؛ لأنه يسمع كما تسمع, ويبصر كما تبصر, ويفقه كما تفقه، وشابهها في عدم العمل, ولهذا الله سبحانه وتعالى يقول: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ [الفرقان:44] , يعني: يشابهونها في عدم العمل والاستجابة, ويشابهونها بالسماع المجرد فقط, وشبههم الله عز وجل أيضًا بالأموات؛ لأنهم يسمعون ولكنهم لا يستجيبون, ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في المشركين الذين وضعهم في قليب بدر: (ما أنتم بأسمع لي منهم) , يعني: يسمعون, ولكن لا يستطيعون أن يردوا, ولا يستطيعون أن يستجيبوا, ولا يستطيعون أن ينفعوا ولا أن يضروا, لا أنفسهم ولا غيرهم.
قال المصنف رحمه الله: [والإيمان قول وعمل، وهما سيان ونظامان وقرينان, لا نفرق بينهما، لا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بإيمان] .
وهنا شرع المصنف رحمه الله في مسألة الإيمان, يقول: (والإيمان قول وعمل, وهما سيان ونظامان وقرينان) , فالإيمان يطلق العلماء عليهم رحمة الله تعالى في بيانه ألفاظًا، فيقولون: هو قول وعمل, وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية, وتارة يقولون: هو قول وعمل واعتقاد, وهذه الإطلاقات مردها إلى مقاصد أصحابها, وغالب إطلاقات السلف عليهم رحمة الله يقولون: الإيمان قول وعمل, وربما يقولون: قول وعمل ونية, ومرادهم بذلك أن ما كان من أمر القلب، وما كان من أمر اللسان، وما كان من عمل الجوارح، فهذا هو الإيمان.