فهرس الكتاب
قدرة فإنه يرى الله سبحانه وتعالى بإذنه سبحانه.
وأما المسألة الثانية: وهي الرؤية في الآخرة، فذكرنا أن أهل السنة يتفقون على أن الله عز وجل يُرى في الآخرة، واختلفوا في مسائل:
المسألة الأولى: في رؤية المشركين والمنافقين لربهم، منهم من قال: إنهم يرون الله عز وجل ثم يحجبون عنه تشديدًا في العذاب والعقاب، كما في قول الله سبحانه وتعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15] ، والإنسان يحجب عن الشيء إذا رآه أو تمكن منه، وأما من جهة عدم رؤيته وعدم قدرته على ذلك فإنه لا يوصف بأنه حجب عنه، ولكن نقول: إن الحجب ممكن أن يكون لمن لم يمَكَّن من جهة الأصل، وهذا أيضًا له وجه من جهة اللغة، ويعللون في ذلك أن ألم وعذاب الحجب عظيم جدًا على الإنسان, ولا ينعم الإنسان بشيء قد حجب عنه مما يراه من الخير، قالوا: وذلك أن الله سبحانه وتعالى يري عبده المشرك في قبره منزلته من الجنة لو أنه أطاع الله، ثم يحجبه عنها ويريه منزلته في النار؛ لأنه عصى الله سبحانه وتعالى, فكانت رؤيته للنعيم في قبره حسرة؛ لأنه يحجب عن ذلك، وفي ذلك ألم شديد، بخلاف الإنسان الذي يوعد بشيء لم يره ثم يرى شيئًا آخر من العقاب، حينئذ يكون العذاب عليه يسيرًا، وجمهور السلف وكذلك أهل السنة على أن المشركين لا يرون الله سبحانه وتعالى في الآخرة، وثمة قول ثالث في هذا: وهو أن المؤمنين والمنافقين يرون الله سبحانه وتعالى ثم يمنع المنافقون من رؤيته.
ومن المسائل التي وقع فيها الخلاف هو الزمن الذي يرون فيه الله عز وجل ويتجلى لعباده، على اختلاف الأحاديث الواردة في ذلك.
... بقاء الجنة والنار والقول بفنائهما
قال رحمه الله: [في نعيم دائم مقيم، لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر:48] أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ [الرعد:35] ].
يقول رحمه الله: (في نعيم دائم مقيم) ، وذلك أن الله سبحانه وتعالى كتب الخلود على أهل الجنة والخلود على أهل النار، خلافًا لبعض المعتزلة والجهمية الذين يقولون بأن الجنة والنار تفنى؛ وذلك لأنهم يأخذون بجملة من اللوازم، ومن هذه اللوازم أنهم كما يقولون: بوجود حوادث لها بداية، فإنهم يقولون بوجود حوادث لا بد لها من نهاية، وإذا قالوا: بفناء الجنة والنار فإنهم يقولون بفناء المؤمنين والكافرين.