ابتداء فأراد أن يجيبه ابتداء على ذلك, وإما أن يريد أن يبين أن الفتن وشبه الأقاويل إنما تعلقت بهذه المسألة أكثر من غيرها فأراد أن يبين المسائل المتعلقة بها على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته بما بينه هنا.
فابتدأ بقوله: (الواحد الصمد) , الله سبحانه وتعالى واحد صمد؛ كما في قول الله جل وعلا: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ [الإخلاص:1 - 3] , وهذه السورة تسمى بسورة نسب الرحمن, وذلك أن المشركين من كفار قريش؛ كما روى ابن جرير الطبري وغيره, (قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك) , وذلك أنهم يقيسون الله على ما أحوالهم من تناسبهم وتناسلهم, فانقدح في أذهانهم أن الله عز وجل كذلك, تعالى الله عن ذلك, فأنزل الله عز وجل عليه قوله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1 - 4] , هذا فيما يتعلق بهذه المسألة.
والآن نريد أن نبين الأصل في أبواب الأسماء والصفات، فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] , فالتماثل منتفٍ عن الله سبحانه وتعالى مع خلقه, فلا مثيل ولا نظير ولا شبيه ولا ند له, وهذه القاعدة إذا استقرت لدينا فإنها تَحُل كثيرًا من الإشكالات في هذا الباب, وذلك أنه إذا لم يكن للشيء مثيل فإنك لا تستطيع معه القياس, ولا تستطيع أن تجعل لكل شيء من صفاته لوازم, فيلزم من ذلك أن تجعل في ذلك تناسخًا, وكذلك أيضًا صفات لازمة لكل صفة, حتى يلزم من ذلك إيجاد صفات لا دليل عليها, ولهذا كان عقيدة السالفين التمسك بظواهر الأدلة من الكتاب والسنة, وإثبات ما أثبته الله عز وجل لنفسه في كتابه من الأسماء والصفات من غير زيادة, وأن يمروها كما جاءت؛ لأن ما زاد عن ذلك لا بد أن يكون بالقياس، فالله عز وجل خلق عقل الإنسان, وعقل الإنسان إناء ووعاء, والوعاء إذا وضع فيه شيء أعطاك بما فيه وأخذ يقيس لك ما فيه, فإذا وضعت في الإناء لبنًا أو وضعت فيه عصيرًا أو وضعت فيه خمرًا أو وضعت فيه ماء فأردت أن تخرج منه أخرج لك ما فيه, فإذا أردت أن تقيس عليه ما كان خارجًا عنه فإنه لا يمكنك ذلك؛ لأنه لا وجود لمثيل في عقلك لما كان خارجًا عنه، فإذًا لا يمكن أن تعطيه.
... ضلال أهل القياس في باب الأسماء والصفات
والناس إنما ضلوا في هذا الباب -سواء كانوا من المعطلة الذين عطلوا أسماء الله عز وجل أو صفاته,