فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 114

ولهذا جاءت النصوص متكاثرة بالوعيد على القتل والزنا وغير ذلك؛ حتى تكبح جماح الشهوة والعدوان, فالإنسان قد يحب الانتقام؛ فيأتيه النص ويوقفه, وقد يتجاوز الطبع فيأتيه النص, ولهذا إذا اجتمع الطبع والشرع على الإنسان تقاويا على أسره وتقييده, وإذا كان الإنسان صاحب فطرة صحيحة وصاحب شرع صحيح فإنه حينئذ يكون أكثر انضباطًا.

وقد يكون الإنسان منضبطًا بطبع صحيح بلا شرع يعلمه, وينضبط في دائرة الشرع ويضل فيما فقده من أمور الشرع, ولهذا نعرف دوائر العذر, ودوائر عدم العذر؛ فلو شرب شخص الخمر وسكر ولم يعلم دليلًا من الشرع في ذلك؛ فهل يعذر بشربه الخمر أو لا يعذر؟ الجواب أنه يعذر؛ لأن الخمر لا يدل على تحريمها الطبع, كذلك الذي يترك الصلاة, وهو جاهل بها وثبت جهله, فدليل الطبع لا يدل على هذا, لكن لو سرق، أو زنى، أو ضرب، أو اغتصب أو غير ذلك فهذه يدل عليها دليل الطبع؛ لأنه بطبع الإنسان لا يحب أن ترتد إليه هذه الأشياء, ولا يحب أن تكون منه, وإن وجد نزوة أن تكون في غيره.

... أحكام العذر بالجهل

ثم بعد ذلك تأتي الدائرة الأخرى وهي العذر بالجهل في مسألة من مسائل الشرع متى يعذر الإنسان ومتى لا يعذر؟ فما تمكن الإنسان من العلم به ولم يسعَ إلى تحقيقه, فهذا لا يعذر به ولو كان جاهلًا من جهة الحقيقة؛ فحينما تأتي إلى شخص وتقول له: هذه أحكام الإسلام وأركانه, قم بقراءتها وتعلمها لتتعبد لله, ثم تركها ولم يقرأها, فهذا من جهة الحقيقة هو جاهل, وشخص آخر لم يعرض عليه الإسلام ولم يعلم بمكانه حتى يسعى إليه, ولم يسعَ إليه, اشتركا في الجهل, لكن ذاك تمكن من العلم وعلم بمكانه فأعرض, ولو طلبه لرفع الجهل عنه, وذاك ما علم بمكانه وما عرض عليه, فيعذر الثاني ولا يعذر الأول, بحسب الحال, وهي على مراتب, قد تختلف في زمن ولا تختلف في زمن, وتشتهر في موضع دون موضع.

وتأتي بعض المسائل الخلافية في هذا الأمر, ومنها مسألة الشرك والوثنية, هل يعذر الإنسان بجهله في أمر الوثنية إذا عبد الأصنام أم لا يعذر؟ فتدخل في هذه الدائرة, هل عبادة الأصنام يدل عليها دليل الطبع منفردًا؟ فإنك تعلم بوجود خالق فلماذا تعبد الحجر؟ إذا عبد الحجر منفردًا على أنه الخالق مدبر الكون إذًا نفى وجود الخالق سبحانه وتعالى، وذلك بتعدده, فالعلماء عليهم رحمة الله تعالى لهم كلام في هذا, فمنهم من ينفي العذر في مثل هذا الأصل, ومنهم من يعذر بحسب الحال.

ولهذا يختلفون في مسألة أهل الفترة على أقوال, وهي تتقارب من جهة التأصيل وتختلف من جهة التنزيل, والكلام على هذه المسألة يحتاج إلى بسط, ولكن نكتفي بهذا القدر.

وبه نعلم المسألة التي يتكلم فيها العلماء, أو يسأل عنها بعض الإخوة, وهي مسألة كيف يخرج الله عز وجل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت