فهرس الكتاب
من النار إلى الجنة, ولما عذبه الله بالقتل، وعذبه بالزنا، وعذبه بالسرقة وعاقبه فيها ومحصه ليس لديه عمل خير, فهذا يخرج من النار ولم يعمل خيرًا قط.
وهذا التوجيه, يؤيده حديث حذيفة عند ابن ماجه وكذلك عند الحاكم في المستدرك مرفوعًا: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب) , يعني: يدفن وتطمس معالمه, (حتى لا يدرى ما صلاة، ولا صيام، ولا صدقة، ولا نسك, إلا أقوام يقولون: لا إله إلا الله, سمعنا آباءنا يقولونها ونحن نقولها) هذا لديه قول, لكن ليس لديه عمل, قيل لحذيفة: (ما تفعل به لا إله إلا الله؟ قال: تنجيه من النار لا أبا لك) , لهذا نقول: إن الإنسان الذي ليس لديه علم بالأفعال يعذر بعدم فعله لعدم علمه, ولو قيل: كيف يدخل النار؟ فنقول: بالأفعال التي دل عليها الطبع, ولهذا لو تأتي الأرض من مشرقها إلى مغربها, فتسأل أي شخص عن حكم القتل, فيقول لك: محرم طبعًا, والسرقة محرمة, فيؤمنون بهذا, فما الذي جعلهم يؤمنون به؟ فنقول: دليل أوجده الله في الناس كما أنزل الوحي؛ ليؤيده بالطبع, ولهذا تنحرف بعض الفطر, فتجد أنهم يجعلون الزنا حلالًا, فهذه فطر مبدلة، فكما تبدل الشرائع تبدل كذلك الفطر.
أيضًا من الأمور التي يوجه فيها هذا أن العرب قد تستعمل قولهم: لم يعمل خيرًا قط, أو لم ير شيئًا قط, لشدة ما يخالفه, ولهذا جاء في الحديث (في الرجل الذي يغمس في النار غمسة, هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا, أو يغمس في الجنة غمسة وهو أبأس الناس، فيقال: هل مر بك بؤس قط؟ فيقول: لا) , فهذا كلامه ليس بصحيح؛ لأن معنى قوله: لم يمر به بؤس قط، أنه رأى نعيمًا لعظمته تضاءل لديه ما مر به من بؤس, وقوله: لم يمر به نعيم قط، أنه رأى عذابًا لهوله تضاءل ما مر به من نعيم.
ولهذا قد يستعمل في لغة العرب أنه لم يفعل خيرًا قط لعظم السيئات في مقام الحسنات, وهذا أسلوب عربي, وأمثال هذه النصوص لا نضرب بها المحكم, وإنما نفسرها ونبينها على ما جاء في أصول الشريعة العامة, ونفهم بالتفصيل والتأصيل الأول مسألة من المسائل المهمة, وهي مسألة العذر بالجهل, فثمة أشياء دل عليها دليل الطبع فالأصل ألا يعذر بها أحد, شخص يقول: أنا ملحد, نقول: هذا دل عليه دليل الطبع, لسنا بحاجة لمحمد ولا لعيسى ولا لموسى, لسنا بحاجة إلى شيء, دليل الطبع قام في هذا الأمر, فالقاتل يعاقب, لو جاءنا رجل الآن وقال: إني قتلت فلانًا ولم يبلغني دليل من الكتاب والسنة عن هذا, فيقام عليه الحد؛ لأنه ليس بحاجة إلى نص؛ لأن الله فطره على هذا الشيء وأوجد فيه هذا الأمر, وموجد الطبع هو منزل الشرع, وقد أقام الحجة بالاثنين, إذًا ما فائدة الشرع مع ثبوت ذلك في الطبع؟ ليحافظ على الطبع من التبديل وكذلك يؤكد الطبع بالتنزيل حتى يعظم في نفس الإنسان القتل.