فهرس الكتاب
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فثمة مسألة تتعلق بالإيمان سألها أحد الإخوة, وهي ما يتعلق بقول المصنف رحمه الله: (الإيمان قول وعمل) واستشكل ما يأتي في بعض النصوص من إدخال الله عز وجل لبعض المؤمنين وإخراجهم من النار ولم يعملوا خيرًا قط؛ كما جاء في حديث أبي هريرة عليه رضوان الله, وهذا الحديث في الصحيح, وفيه: (لم يعملوا خيرًا قط) , والإيمان قول وعمل, ولا يصح إيمان الإنسان إلا بقول وعمل, ومعلوم أن الإنسان إذا لم يكن لديه قول وعمل في إيمانه الباطن والظاهر فإنه ليس بمؤمن, وإذا لم يكن مؤمنًا فالله عز وجل قد حرم على المشركين الجنة, فكيف يخرج الله عز وجل من لم يعمل خيرًا قط من النار ويدخله الجنة؟
فينبغي الكلام على مسألة تعتبر مقدمة لهذا الإشكال, وهي أن الله سبحانه وتعالى يدخل بعض عباده الجنة بعد أن يدخله النار ممن شاء وقدر عليه العذاب من أهل الإيمان, ومن قضى الله عز وجل عليه الكفر وعذبه سبحانه وتعالى به يدخله النار بالأفعال والتروك, فلدينا أفعال وتروك, فالأفعال والتروك يستقل الناس فيها ويستكثرون, فمنهم من يستكثر من أمور الأفعال ومنهم من يقل منها, ومنهم من يستكثر من التروك مخلصًا ومنهم من يقع في المحرمات, لذا قد يستوجب بعض العباد دخول الجنة بالتروك مع قلة في الأفعال, وذلك أنه ترك المحرمات وترك الموبقات وترك المهلكات ولكن لديه عمل قليل, فعظم لديه الترك وقل لديه الفعل, وقد يدخل الله سبحانه وتعالى بعض عباده النار بفعل محرم مع وجود عمل صالح لديه, وقد يدخل الله سبحانه وتعالى بعض عباده النار بترك الطاعات -وهو يقابل دخول الجنة بفعلها- مع أنه لم يفعل المحرمات, فيكون لديه ترك الطاعات كثيرًا وفعل المحرمات قليلًا, والناس في ذلك بين مستقل ومستكثر, إذا أدركنا هذه المسألة فإننا نفرق بين الفعل الذي يبادر به الإنسان من جهة العمل, وهو المقصود لدينا في مسألة الإيمان وبين ما يتعلق بمسألة التروك, إذا أدركنا هذا الأصل فدعونا ننتقل إلى معنى آخر.
... دليل الطبع والشرع وأثرهما في العذاب والنجاة
وهذا المعنى وهو أن الله سبحانه وتعالى قد فطر الناس على فطرة صحيحة مستقيمة, وهذه الفطرة هي ما جبلهم عليها من إدراك بعض المحرمات بلا نص, فهم يفهمون المحرم بلا نص من الوحي, وهذا ما يسمى بوازع الطبع, وهو فطرة الله التي فطر الناس عليها؛ كما في قول الله جل وعلا: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30] , وكما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة, فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) , وهذا دليل الفطرة, فما هي المسائل التي يعرفها الإنسان بلا نص؟ فيعرف أنها محرمة بلا وحي وبلا رسول وبلا نذير؟ يعرف الأشياء المحرمة كالقتل, فيعرف أنه محرم بالفطرة, ويعرف أن السرقة -وهي أخذ مال الناس خفية- محرمة, ولا يحتاج إلى نص, وإنما جاء النص في ذلك مؤكدًا ومعظمًا, فدليل الطبع هو النوع الأول؛ وهو دليل الفطرة.
النوع الثاني: هو دليل الشرع الذي لا يمكن لأحد من الناس أن يعلم التشريع به فطرة, وإنما لا بد من دليل من الشرع يبينه الوحي من الكتاب والسنة, فدليل الشرع هي هذه الشرائع, فالإنسان يولد ويكبر ولا يعلم أحكام الصلاة, فهل يمكن أن يعلم الصلاة بالطبع والفطرة؟ لا يمكن أن يعلمها, لكن يعلم أن ثمة خالقًا يستحق التذلل والتعبد والخضوع والطاعة له, لكن كيف يطيع وهو لا يعرف هذا, فتأتي الشريعة ببيان هذه