فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 114

النور, وكل شر إنما يكون من الظلمة, وفي القدر طوائف من المعتزلة, يجرون كذلك على هذا المسلك.

الطائفة الثالثة: وهي طوائف السلف وأهل السنة والجماعة في إثبات القدر لله سبحانه وتعالى, وأن الإنسان مسير مخير, أي: له مشيئة لكن بعد مشيئة الله, وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30] , والله عدل, يحاسب الإنسان على مشيئته, ولا يحاسبه سبحانه وتعالى على مجرد تقديره, فإذا وجدت مشيئة الإنسان واختياره جاء ثواب الله وعقابه عليه, وإذا لم يكن للإنسان اختيار لا يجري عليه الثواب ولا العقاب إلا رحمة من الله سبحانه وتعالى ومنَّة, وذلك لأن الإنسان يختلف عن الجماد, فالجماد لا اختيار له, وإنما يُحرك, ولهذا لا يعاقب ولا يجري عليه التكليف وليس له مشيئة, فالله عز وجل نزع المشيئة منه أو ليس له مشيئة أصلًا والمشيئة إنما هي لله, لكن الإنسان جعل الله عز وجل له مشيئة وهي بعد مشيئة الله, فالحساب والعقاب يكون على مشيئة الإنسان التي جعلها الله عز وجل له.

لذا إذا غابت هذه المشيئة عن الإنسان وهو الاختيار، فأصبح كالمجنون المسلوب, أو الإنسان الميت, أو المشلول, الذي لا يستطيع التصرف, فهذا لا اختيار له من جهة الحقيقة, ولو تحرك فالذي يحركه غيره كتحريك الحصى أو الرمال أو الشجر يحركها الرياح, كذلك المجنون يحرك بلا تدبير من ذاته, والله عز وجل كما جعل في الرياح إرادة تحرك بها الشجر, جعل أيضًا في ذات الإنسان من الإرادة ما تحركه، فإن حركته باختيار ومشيئة حوسب عليها, وإن حركته بلا مشيئة واختيار لم يحاسب عليها.

وهكذا ما يدخل في دائرة الخطأ الذي يقع من الإنسان أو النسيان أو النوم أو غير ذلك لا يؤاخذ عليه الإنسان؛ لأنه قد غابت مشيئته واختياره, فإذا وجدت مشيئته واختياره جاء الحساب والعقاب من الله سبحانه وتعالى, وإذا غابت المشيئة يكون تحركه كتحرك الكائنات التي يقدر الله سببًا لا اختيار لها فيه فتحرك فلا تؤاخذ على ذلك.

ولهذا البهيمة تأتي وتقتل إنسانًا, وتأتي وتهدم شيئًا معظمًا أو نحو ذلك, ولا تكلف بذلك؛ لأنها ليس لها مشيئة, وحركتها كحركة الأغصان والأشجار وغير ذلك، فمثلًا: الحجارة قد تنصب من رأس جبل يجريها الله ثم تقتل رجلًا؛ لا تكليف عليها؛ لأن الله هو الذي أجراها, وكذلك المجنون والنائم إذا تقلب وأهلك نفسًا أو أفسد مالًا أو نحو ذلك, فالله عز وجل لم يجعل له مشيئة, فتحركه بذلك إنما هو بمشيئة الله وحده سبحانه وتعالى, وأما هذه المشيئة الموجودة في الإنسان التي ينشئها باختياره وبعلم الله وتقديره, فإنه يعاقبه عليها سبحانه وتعالى.

... أسباب الضلال في القدر والجواب عنها

والذي دفع الذين يقولون بنفي القدر وأن الأمر أنف إلى قول ذلك, أنهم قالوا: إن الله عز وجل إذا قدر على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت