فهرس الكتاب
الإنسان شيئًا فكيف يعاقبه عليه والله عز وجل لا يظلم أحدًا؟ وهذا جعلهم يقولون بأمر أعظم مما يستبشعونه عقلًا بالزعم والخطأ وهو: نفي القدر, وأن الله عز وجل لم يقدر هذه الأشياء, وحمل بعضهم أيضًا إلى نفي العلم, فوقعوا في أشد مما يريدون أن ينزهوا الله عز وجل عنه, فأدخلوا الله سبحانه وتعالى في دائرة الجهل, تعالى الله عز وجل عن ذلك علوًا كبيرًا, فدخلوا في أشد مما نفروا منه, ولو أمضوا الأمور كما جاءت في الكتاب والسنة ولم يخوضوا فيها ولم يحكموا عقولهم المجردة في مقابل النص لكان أسلم.
ولهذا نقول: إن أصل ضلال الطوائف هو أنهم ألزموا عقولهم أن تدرك الغيبيات كما يدركون الحسيات, والعقول لا تدرك كل شيء, فالإنسان حواسه ست: السمع, والبصر, والذوق, والشم, والإحساس، والمعنى القائم في النفس, فأنت الآن تشعر أنك حزين أو تفرح؛ من أين جاءك هذا الشعور؟ بالسمع أو بالبصر أو بالذوق أو بالحس أو بالشم أو بشيء آخر؟ بشيء آخر, هذه هي الحاسة السادسة, ولهذا بعضهم يقول: إن لديه حاسة سابعة؛ لأنه يعرف أن هناك حاسة سادسة.
إذًا: الحاسة السادسة: هي المعنى القائم في النفس, فيعرف الإنسان به أنه فرح, ويعرف أنه حزين, ويعرف أنه غضب أو نحو ذلك, وهذا الإحساس هو المعنى القائم في الذات, وبعضهم يفسره بالعقل, وبعضهم يقول: هو المعنى القائم في النفس.
وهذه الأشياء لها قدرة, فالبصر لا تستطيع أن تبصر به كل شيء, ولو أبصرت به كل شيء آذاك, وكذلك لا السمع تستطيع أن تسمع به كل صوت, فثمة أصوات لها مقدار تسمعها, فإذا ضعفت وخفيت لم تسمع شيئًا, وإذا قويت واشتدت آذتك وربما أفسدت عليك السمع, كذلك الرؤيا, هناك أشياء تتلاشى دقة حتى لا تراها, وأشياء تعظم قوة حتى تفسد عليك البصر لو نظرت فيها.
فمثلًا: إذا أراد الإنسان أن ينظر إلى الشمس في الظهيرة, وقال: أريد أن أتفحص هذا الكوكب في قائم الظهيرة, هل يستطيع أو تحرق عينه؟ تحرق عينه, هل يستطيع أن يقول: هذه ليست شمس؛ لأنها لم تثبت عندي ولم أفهمها؟ لا, نقول: عينك لا تدرك هذا الأمر, فهي لها طاقة محدودة, كذلك هل للإنسان أن ينفي الذرة؛ لأنه لم يرها بعينه؟ لا, لأنه لم يستطع؛ فهو أضعف, وهذا من جهة الدنو, وكذلك هل يستطيع الإنسان أن ينفي أن لبعض الحشرات كالنمل صوتًا؛ لأنه لم يسمعها؟ لا, لكن يتهم الحاسة لديه بأنها لا تسمع, أيضًا هل كل شيء يحس به الإنسان إذا جاء على جسده؟ لا، فهل له أن ينفيه؟ لا, ليس كل شيء لا تحس به تنفيه, ولكن تقول: لدي مستوى محدود من الحس.
كذلك أيضًا العقل لديه مستوى من الإدراك, فثمة شيء من الغيبيات لو نظر إليه أحرقه؛ كالبصر تحرقه الشمس في الظهيرة, لا يستطيع أن يستوعبها؛ لأن عقل الإنسان يسير, والمعاني الغيبية عظيمة جدًا,