فهرس الكتاب
للسيئات, ولكن الشرك يمحو العمل الصالح كله, فإذا وجدت شعبة من شعب الكفر الأكبر زال الإيمان بالكلية ووجدت شعب الكفر كله, ولهذا نقول: إن الإيمان لا يكون في الإنسان تامًا إلا مع وجود مجموع شعب الإيمان, أما الكفر وجود فيكفي وجود شعبة واحدة منه, فمن ظهر منه مكفر ليس لأحد أن يقول: إنه يتصدق ويزكي ويصوم وغير ذلك؛ لأنه بوجود شعبة واحدة من الكفر يخرج عن الإيمان، فمن يسب الله أو يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ويزكي ويتصدق وغير ذلك فإن هذا موجب لخروجه من الملة.
وعلى ما تقدم في قولنا: الإيمان: قول وعمل ونية أو قول وعمل واعتقاد, فإن هذه الأشياء لا تنافي زيادة الإيمان ونقصانه؛ وذلك كحال صلاة المغرب على ما تقدم, كيف يكون هذا؟ إذا قلنا صلاة المغرب ثلاثًا يبطلها المبطل, لا يعني ذلك أنها لا تزيد من جهة الأجر ولا تضعف, بل تزيد بالطاعة, والطاعة التي تزيد بها ولا تبطل بفقدانها كالخشوع, والسنن, والإطالة في السجود, وإطالة القراءة, فهذه طاعات تعظم بها الصلاة، وبفقدها أو ضعفها لا تزول الصلاة, لكن إذا كان الإنسان لا يقرأ أبدًا في الصلاة, أو لا يسجد, فلا تصح صلاته لزوال ذلك منه.
وكذلك أيضًا المنهيات, لا تبطل الصلاة كلها إلا ما دل عليه الدليل، وما لا يبطل الصلاة منها هو كالمحرمات التي لا تبطل الإيمان, ومثال ما لا يبطل الصلاة من المنهيات: النظر إلى السماء, فإنه باتفاق الأئمة الأربعة لا يبطل الصلاة, لكنه ينقص الأجر, كذلك أيضًا بسط الذراعين كبسط الكف, والإقعاء كإقعاء الكلب لا يبطل الصلاة لكنه ينقص من أجرها, وكذلك في المقابل المحرمات التي تطرأ على الإيمان, من النظر المحرم, أو الزنا, أو شرب الخمر، وغير ذلك, هذه محرمات تنقص الإيمان لكنها لا تفسده, فلا يبطل الإيمان ولا يبطل الصلاة إلا ما دل عليه الدليل؛ كانتقاض وضوء، وانحراف عن قبلة في الصلاة, وفي الإيمان كالسجود لغير الله, أو كلمة الكفر, أو اعتقاد الكفر وغير ذلك من المكفرات, أما ما دل الدليل على تحريمه فيبقى على تحريمه.
والناس يتفاضلون بحسب إيمانهم, وإذا كان الأنبياء يتفاضلون فيما بينهم، فالصحابة ومن دونهم يتفاضلون من باب أولى, ولا نقول بقول المرجئة الذين يقولون بأن المؤمن إذا آمن فإيمانه كإيمان جبرائيل وميكائيل يبلغ مرتبة واحدة, فيجعلون الإيمان مرتبة واحدة, وكذلك الخوارج الذين يجعلون الكفر مرتبة واحدة, فإما أن يكون مؤمنًا وإما أن يكون كافرًا. والذين دخلوا في هذا الباب أوغلوا في التكفير؛ وذلك أنهم أوغلوا في مسألة الكبيرة, وما يتعلق بتعريف الكبيرة, وأسرفوا في ذلك, حتى من دخل في هذه الدائرة أشكل لديهم