فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 114

تعريف الكبائر, لهذا فالبدعة بابها متسع جدًا, وإذا ضل الإنسان وسلك طريق الهوى في ذلك, فإنه يدخل في باب الضلال.

ولهذا الخوارج لما دخلوا في تكفير صاحب الكبيرة اضطربوا في تعريف الكبيرة، وما هو الحد في ذلك, واختلفوا في ذلك اختلافًا كبيرًا, حتى أن منهم من أدخل بعض المحرمات في أمور الكبائر؛ فأدخلوا مثلًا على سبيل المثال حلق اللحية في أمور الكبائر فكفروا به, ثم اختلفوا فيمن حلق شعرة أو نتف واحدة هل يكفر أو لا يكفر, وقد نص جماعة من الخوارج المتأخرين على أن من أخذ شعرة واحدة إنه كافر؛ لأنه لا يمكن التجزئة في ذلك, فهل الشعرة كالشعرتين أو كالثلاث أو كالأربع؟ ما الضابط في ذلك؟ فجعلوها شعرة واحدة ليرتاحوا من هذا الأمر, فأخذوا في دائرة التكفير, حتى دخلوا كذلك في مسائل الإسبال وكفر المسبل وغير ذلك, فاضطربوا في هذا الباب, فأصبح النزاع لديهم في هذا الباب بضلال الأصل, فتنازعوا في الفروع لضلالهم في هذا الأصل.

وأعظم سلامة للإنسان في دينه أن يتمسك بالأصول الشرعية التي كان عليها السلف الصالح عليهم رضوان الله تعالى من الصحابة, في فهم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب ليسلم له دينه, ولهذا أهل البدع أكثر الطوائف اختلافًا وفرقة؛ لأنهم اختلفوا في الأصول فضلوا في الفروع, بخلاف أهل السنة والجماعة في هذا من السلف الصالح وغيرهم, الذين اتفقوا في أمور الأصول فتراحموا في أبواب الفروع؛ لأنهم عظموا الأصول فعرفوا مقدار الألفة والجامع بينهم في ذلك.

وهنا في ذكر التفاضل يقول رحمه الله: (والمؤمنون في الإيمان يتفاضلون، وبصالح الأعمال هم متزايدون) , والأدلة في زيادة الإيمان ونقصانه كثيرة جدًا، فمن جهة الزيادة قوله تعالى: وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف:13] , يعني: إيمانًا, وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في بيان مراتب الخير حتى الذرة, وكذلك أيضًا في وزن شعيرة، أو برة, أو غير ذلك من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ويكفي في ذلك قول الله جل وعلا: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7 - 8] , فالذرة من الخير تزيد في إيمانه فيزيد ذلك في ثوابه, والذرة من الشر تزيد من سيئاته, فيزيد ذلك في وعيده وربما عقابه.

وقول المصنف رحمه الله: (ولا يخرجون بالذنوب من الإيمان) , وذلك مخالفة لعقيدة أهل الضلال, سواء من الخوارج أو المعتزلة الذين يكفرون بالكبيرة, على ما تقدم الكلام عليه.

قال: (ولا يكفرون بركوب كبيرة ولا عصيان) , فلا يكفرون إلا ما دل الدليل على كفر فاعله, ويتراحمون فيما بينهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت