فهرس الكتاب
فلا يدخل الكافر في الإسلام إلا ببينة ويقين، ولا يخرج المؤمن منه إلا ببينة ويقين، لا يخرج بالشبهة، فلا يكفر المسلم بالذنب، كما تفعل الخوارج حيث يكفرون المسلمين بالكبيرة، أو يجعلونه في منزلة بين منزلتين، كما تقول المعتزلة، بل يقولون: هو مؤمن بإيمانه، وفاسق بمعصيته وكبيرته التي يقترفها؛ وذلك أنهم يرون أن الحب والبغض يتجزأ، وأن الإيمان يزيد وينقص.
... زيادة الكفر ونقصانه
كذلك أيضًا الكفر يزيد وينقص، لهذا يقول الله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة:37] ، قال جل وعلا: ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا [آل عمران:90] ، يعني: أنهم يزيدون في الكفر، ولكن من جهة الأصل فإن الله عز وجل يخلد الكافر في النار، ويكون العذاب في ذلك على مراتب، فالكفر ليس مرتبة واحدة، وإن كان ملة واحدة، ولهذا جعل الله عز وجل لبعض الكافرين أحكامًا، وجعل لكافرين آخرين أحكامًا، فجعل لليهود والنصارى أحكامًا تخصهم وتختلف عن الوثنيين، وذلك من جهة حل ذبائحهم، وحل نكاح نسائهم، وكذلك أيضًا من أمر الجزية بخلاف ما يتعلق بأمر المشركين الوثنيين، فهؤلاء لهم أحكام تخصهم، مما يدل على أن ثمة مراتب للكفر.
... حب المؤمن وبغضه بحسب الطاعة والمعصية
كذلك أيضًا الإيمان على مراتب، فيُحب المؤمن ويبغض، يحب لطاعته، ويبغض لمعصيته، ومن أكثر من الطاعة وأقل من المعصية تزداد محبته وولاؤه، ومن أكثر من المعصية وأقل من الطاعة فإنه تزداد البراءة منه وبغضه, وذلك أن من أعظم عرى الإسلام وأوثقها هو الحب في الله والبغض في الله؛ لأن أهل الإسلام يرون أن هذا الأمر يتجزأ وهو فرع عن التجزؤ الذي يكون في الإيمان من جهة زيادته ونقصانه، كما أن أهل الكفر من جهة عداوتهم، وكذلك أيضًا بغضهم ومقاتلتهم, فإنهم في ذلك على مراتب, وإن كان الكفر ملة واحدة، ولهذا فرح رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرح المسلمون لما انتصر الروم على فارس؛ لأن الروم من أهل الكتاب وفارس وثنيون؛ لأنهم يعبدون الأصنام كما كان يعبدها الجاهليون من العرب.
يقول: (والإمساك عن تكفير أهل القبلة، والبراءة منهم فيما أحدثوا) ، وخطورة تكفير المسلم ليست ببعيدة عن خطورة إدخال الكافر في الإسلام، وكلها عظيمة، فينبغي للمؤمن أن يحذر من هذا وهذا، وكما يوجد باب غلو في التكفير، فيوجد باب غلو في التساهل فيه، فهناك من يتسامحون في تكفير الكافر، وهم على