فهرس الكتاب
جميعها أو بعضها, أو المشبهة- بسبب اختلال هذه القاعدة, واعتقادهم أن الإنسان إذا أراد أن يتكلم في صفات الله عز وجل يقيسها على ما هو عليه في حاله, وهذا معلوم لدى الناس؛ فلو قام رجل على سبيل المثال في أفريقيا يحدث الناس، ويقول: إنه أتاني رجل ودخل علي وجلس معي ونحو ذلك فالناس سيتخيلون مثلًا أنه نوع معين من ألوان البشر ولباس البشر وطريقة الجلوس التي كانوا عليها, وإذا حدث بهذه القصة شخص مشرقي أو حدث بها رجل أوروبي فإن التصور الكائن يختلف؛ لأن كلًا يصور على حياته وحالته.
كذلك أيضًا من جهة الزمان؛ إذا حدثت بقصة تقول: أتى فلان من مكة وأقام عندي ونحو ذلك, في زماننا تتخيل أنه جاء على سيارة, إذا كان شخص في أقصى الأرض يتخيل أنه جاء على طائرة؛ لأنه يستحيل أن يأتي على سيارة, وإذا كان قبل قرنين ونحو ذلك يتخيل أنه جاء على الراحلة, إما على الإبل أو على الخيل, أو نحو ذلك, أو جاء ماشيًا؛ لعدم وجود هذه الأشياء, إذًا عقل الإنسان وعاء يقيس على ما هو عليه.
كذلك أيضًا من جهة الأكل؛ إذا حكيت للناس أنه مثلًا كان عندنا وليمة، ثم اجتمع عليها عشرة من الناس، ثم جلسنا ونحو ذلك, فالشخص بحسب البلد يتخيل وليمة معينة وأنه كان يأكل على طريقته, من كان مثلًا من الأوروبيين يتخيل أنه كان يأكل مثلًا على صفة معينة، إما على طاولة أو بشوكة وسكين, ومن كان في بلد معين يتخيل أنه كان على الأرض أو نحو ذلك في ذهنه مع أن القصة واحدة؛ لماذا اختلف المثال؟ اختلف المثال في هذا؛ لأنك قست على ما تشاهده، والله سبحانه وتعالى لا مثال له في عقلك, لا يقظة ولا في منام, ولهذا الله عز وجل يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] .
فينبغي على الإنسان أن يمر النصوص كما جاءت؛ لأنه إذا خطر في باله شيء, فهو من مثال, فعليه ينتفي صحة قوله لانتفاء صحة المثال وظهور خطئه, ولهذا إذا ثبت لدينا هذا الأمر علمنا أن الذين يعطلون صفات الله عز وجل من باب التنزيه, فيقولون: إننا إذا أثبتنا الصفات يلزم من ذلك أن تكون أجسامًا, إنها أجسام قلنا أجسام يلزم أن تكون محدودة.
فمثلًا: إذا نزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا يخلو منه العرش أم لا، وغير ذلك, فيقيس الإنسان على نفسه مثلًا من نزوله أو ذهابه ومجيئه، والله عز وجل في صفاته سبحانه وتعالى ليس له مثيل ولا ند ولا نظير.
وإنما ابتدأ المصنف رحمه الله بهذه الصفة بقوله: (الواحد الصمد) , وذلك لأن الواحد هو أصل وحدانية الله سبحانه وتعالى وإفراده بالعبودية, وتفرده جل وعلا بأفعاله سبحانه وتعالى.