فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 114

وأما بالنسبة للقضاء فالقضاء على نوعين: قضاء شرعي, وقضاء كوني, والقضاء الشرعي: هو أمر الله سبحانه وتعالى بفرائضه, كما في قول الله جل وعلا: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23] , يعني: وصاه؛ كما جاء ذلك عن عبد الله بن مسعود وغيره, أما القضاء الكوني فهو القدر, قدر الله سبحانه وتعالى وإرادته في الكون, وتقديره لأفعال العباد مما كتبه عليهم في كتاب قبل أن يخلق السموات والأرض.

ولما كان المقدر لهذه الأشياء لا بد أن يكون عالمًا بها, والعالم بها وبتفاصيلها لا بد أن يكون مقدرًا لها, يقول الله جل وعلا: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ [الملك:14] ؛ لأن وجود الأشياء وخلقها وخلق أفعالها لا بد أن يكون تصرفًا من خالقها, وعلم الخالق بدقائقها سبحانه وتعالى دليل على تقديره لها؛ وإذا أخبر الإنسان بأشياء وجزئيات وتفاصيل فقال: كتاب كذا في مكان كذا, وكتاب كذا في مكان كذا, وكتاب كذا في مكان كذا؛ لا بد أن يكون هو الذي وضعها؛ لأنه كلما أكثر في التفاصيل دل على أنه هو الذي دبر هذا الشيء, فكيف بدقائق هذه الأشياء من أمور الكون مما يعزب عن علم الإنسان وإدراكه ووعيه من تفاصيل الكائنات الدقيقة التي تسيل وتجري والله سبحانه وتعالى يعلمها! فيثبتون علم الله عز وجل لهذه الدقائق اليسيرة الخفية الغائبة, ومع ذلك ينفون تقدير الله عز وجل لذلك, وهذا من المتناقضات.

... أحوال الناس في القدر

والناس في أمر القدر على طوائف:

الطائفة الأولى: هم الذين يقولون: إن الإنسان مجبور في فعله وقوله, يعني: أنه مسيَّر, وليس له اختيار, وهؤلاء هم الجبرية.

الطائفة الثانية: الذين يقولون: إن الإنسان يخلق أفعاله, ولم يقدر الله عز وجل عليه شيئًا, وهؤلاء هم القدرية, وأول من قال بذلك هو: معبد الجهني، يقول: إن الأمر أنف, يعني: مستأنف, لا يعلم إلا عند حدوثه, وهؤلاء هم شبيهون بالمجوس, وذلك أن المجوس هم الذين يثبتون خالقين, والله سبحانه وتعالى الخالق وحده جل وعلا؛ وإنما شُبه القدرية بالمجوس؛ لأنهم يثبتون خالقين, وهما: الإنسان الذي يخلق فعله, والله الذي خلق الإنسان.

فهم يثبتون أن الإنسان هو الذي خلق الفعل, ولم يخلقه الله؛ لأنهم لو قالوا: خلقه الله أثبتوا القدر, والمجوس يثبتون الخالقين: خالق النور وخالق الظلمة, والنور يخلق الخير, والظلمة تخلق الشر, وهؤلاء من المجوس, وكذلك أيضًا من الزنادقة المانوية الذين يثبتون أن كل خير في الناس وفي الكون إنما هو من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت