بذلك المنكر فهو منكر مغفول عنه ولم يجاهر به.
الثاني: منكر يفعله عامًا، يقتدي الناس به، وليس منكرًا قائمًا في ذاته، بل هو متعدّ إلى غيره؛ وذلك كالمجاهرة بتحليل شيء محرم، أو التساهل في أمر عظيم من أوامر الله سبحانه وتعالى والتفريط به، فإن تأثر العامة بالكبراء ظاهر، فهم يتأثرون ويقتدون بكبرائهم ووجهائهم، سواء كانوا علماء، أو كانوا أمراء، أو كانوا أصحاب أموال وجاه وسيادة؛ لأن الأدنى يحاكي الأعلى، وهذا استصلاحه في ذلك على حالين:
إذا علم المصلح أنه إن أصلحه فيما بينه وبينه استجاب له وأزال، فينبغي له أن ينكره وأن يصلحه فيما بينه وبينه، وإذا غلب على ظنه أنه إن قام بينه وبينه بشيء من الإصلاح ما قام بإصلاح هذا الأمر العام، فإنه يجب على العالم أن يبين الأمر للناس؛ لأن النصيحة هنا نصيحتان: نصيحة لله ولكتابه ولرسوله، ونصيحة أخرى هي لأئمة المسلمين، فحينئذ النصيحة التي يتوجه بها إلى الناس هي لحفظ دينهم مما يطرأ عليهم من محرمات، فإذا كانت المنكرات العامة التي تظهر في الناس ويبديها الكبراء والوجهاء ولا تبين للناس، فإن هذا مما يدفعهم إلى ارتكاب الشر ومحاكاته حتى ينتشر فيهم، ولهذا نقول: يجب إنكار ذلك الأمر علانية؛ لأن حفظ دين الناس أولى من حفظ مقام الأفراد من الكبراء وغير ذلك.
وينبغي أن يعلم أن الناس في ذلك بين طرفي نقيض, وقلَّ منهم الوسط في هذا. فمن الناس من يشيع مثالب الحكام الخاصة, التي يستأثرون بها من أفعال خاصة أو لا يفعلونها إلا في دائرة ضيقة، أو عند أفراد معلومين، أو نحو ذلك، ويشيعون أمثال هذه الأمور في الناس، وهذا من الأمور المحرمة، وطوائف أخرى لا يرون الإنكار حتى في الأمور العامة التي يفسد بها الحكام دين الناس مع الوقت، مما يجاهر بها من الأمور المحرمة؛ من تحليل المحرمات والتساهل بها علانية أمام الناس، والعدل في ذلك أن الإنسان يسوس أمور الحكام بسياسة الكتاب والسنة، لا يسوسها بالتشهي أو غير ذلك، فإن من الناس من يحجم عن إصلاح أمر الناس مداراة للحاكم، ولمشاعره ونفسه، ومن الناس من يشبع غريزته وغريزة العامة بتتبع أمر الحاكم وأخباره، وإخراج دقائق أفعاله وأقواله، وهذا من الشر.
ولهذا يذكر غير واحد أن العامة يبتلون بالحديث عن الحكام فيما يستحق وما لا يستحق، قال الجاحظ في كتابه الرسائل: وفاكهة العامة الحديث في الأمراء والملوك، يعني: في كل بلد أحاديثهم في مجالسهم في مثل هذا الأمر، فالعالم المصلح لا ينظر إلى شهوة الناس في تتبع الأخبار والأحوال والأقوال والأفعال والأسرار وغير ذلك، وإنما يتوجه إلى إصلاح دين الله عز وجل، فينظر أين يضع الحق؟ وما هو الذي يصلح أمر الناس؟ فإذا رأى أنه إذا أصلح أمرًا بينه وبين الحاكم أزاله وأصلحه في الناس تعين عليه ذلك، وإذا رأى