فعلى هذا يقال: إنه لم يبدأ من لدنه سبحانه وتعالى إلا من جهة الأمر الكوني في الخلق.
ولهذا من عقيدة السلف الصالح وأهل السنة أنهم يقولون في كلام الله سبحانه وتعالى: منه بدأ وإليه يعود, ومرادهم منه بدأ, يعني: منه خرج, أي تكلم به سبحانه وتعالى على الحقيقة, ولهذا نجد بعض أئمة السلف عليهم رحمة الله حينما يتكلمون في هذه المسألة خاصة في زمن الالتباس -في زمن الإمام أحمد عليه رحمة الله- لما كثر القائلون بذلك, وكثرت حجج المبطلين في هذا كالحجج العقلية ونحو ذلك, يريدون أن يثبتوا مثل هذا الأمر إثباتًا حقيقيًا تقريبًا للأذهان, فيقولون: منه خرج حقيقة, حتى روي عن الإمام أحمد -وقد ذكره القاضي ابن أبي يعلى في كتابه الطبقات عنه- أنه قال: تكلم كلامًا حقيقة بفيه سبحانه وتعالى, مع أن صفة الفم لله سبحانه وتعالى لا دليل عليها, ولكنه أراد أن يبين الحقيقة من باب التقريب لهذا المعنى, ولهذا نقول: إن الله عز وجل تكلم بالقرآن حقيقة.
وقد نشأت بدعة القول بخلق القرآن في أواخر زمن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، وفي زمن التابعين اشتهرت، وقيل: إن أصلها هو ابن سبأ اليهودي, وذلك أن اليهود يقولون بخلق التوراة والإنجيل, فيقولون بخلق العهد القديم والجديد, فحملوا ذلك أيضًا على القرآن ونشروه, وقيل: إنه لما أظهر الدخول في الإسلام جاء معه ببعض العقائد فأظهرها, كما جاء المجوس لما دخلوا الإسلام ببعض العقائد فنشروها في الإسلام في مسألة الغيبة, ومسألة العصمة, ومسألة الخالقين وغير ذلك, فأثر ذلك على عقيدتهم.
أو هذا القول الباطل الذي امتحن به جماعة من الأئمة، وأظهر هذه المحن هي التي حلت في زمن الإمام أحمدعليه رحمة الله تعالى, فقام فيها خير قيام بأمر الله سبحانه وتعالى, وقد ظهر القائلون بذلك, وتسلسلت هذه البدعة, وأشهرها ابن أبي دؤاد بتأييد السلطان وأخذها ابن أبي دؤاد من بشر المريسي , وبشر المريسي أخذها من الجهم بن صفوان , والجهم بن صفوان أخذها من الجعد بن درهم , وقد وقعت الفتنة في زمن الإمام أحمدعليه رحمة الله, فوأد الله عز وجل به هذه الفتنة, وأظهر الله به الحق, لكن بقي هذا الأمر في الناس, وبقيت طوائف تتبنى هذا القول وتقول به.
... أصل ضلال القائلين بخلق القرآن ولوازم ذلك
وأصل ضلال البشرية في هذا أنهم ما أدركوا أن الله سبحانه وتعالى قال عن نفسه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] , فحينما يسمي الله عز وجل كتابه بأنه كلامه جل وعلا؛ فقياس الإنسان لكلامه سبحانه وقوله على نفسه, وكذلك أيضًا ما يظنه من تسلسل أو لوازم هذا الحمل على صفات الله