فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 114

والمشكل عند الطوائف من أهل الضلال في مسألة أن القرآن كلام الله, هو ما أشكل عليهم من أنه يحفظ, وأنه يكتب, وأنه يتكلم به, فقالوا: إنه في أمثال هذه المواضع هل هو كلام الله أو ليس بكلام الله؟ فأخذوا في كثير من اللوازم في ذلك وبماذا يوصف.

وأهل السنة والجماعة يأخذون بظواهر الأدلة من أنه كلام الله كما وصفه الله, فإذا تُكلم به فهو كلامه سبحانه وتعالى, وإذا حُفظ فهو كلامه, فلا تتوغل في التفاصيل والجزئيات, وإنما تقف على ما وقف عليه النص, فلا تزد في ذلك شيئًا من تلقاء نفسك, ولهذا قال غير واحد من السلف -وروي في ذلك خبر مرفوع وهو موضوع- أن القرآن كلام الله غير مخلوق, وعبارة: غير مخلوق لم تكن موجودة في الحديث المرفوع؛ لأن البدعة في ذلك الوقت لم تكن موجودة, وما جاء عند ابن جرير الطبري في كتابه التفسير من حديث معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس في تفسير قول الله عز وجل: غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [الزمر:28] , قال: غير مخلوق, فقد روي مرفوعًا وهو منكر, وجاء كذلك عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أيضًا هذا المعنى, واشتهر نفي تلك البدعة في زمن التابعين؛ لأنه ظهر القول بذلك, ثم شاع في زمن أتباع التابعين, فقام أهل الأثر والسنة في ذلك من السلف بصد تلك البدعة, وهي بدعة عظيمة وشر مستطير؛ لأنه جَعْل لصفة من صفات الله أنها مخلوقة, فإذا قيل بخلق الصفة فإنه يؤدي إلى القول بخلق الموصوف, تعالى الله عز وجل عن ذلك علوًا كبيرًا, ولهذا يشدد السلف عليهم رحمة الله في هذا.

وأما من يزعم من أهل النظر الواهي الذين يقولون: إن هذا من الخلاف اللفظي, فسواء قلت القرآن مخلوق أو ليس بمخلوق لا فرق ما دام أنك مؤمن بما جاء به وممتثل إياه, وكذلك سواء خلقه الله عز وجل شيئًا في الهواء ثم أسمعه جبريل ليسمعه محمدًا, أو خلقه في محمد, أو خلقه في جبريل ليوصله إلى محمد، وغيرها من المعاني التي يقولها المتكلمون، ما الفرق بين هذا وهذا؟ نقول: الفرق ليس في قضية الامتثال، بل في قضية الاعتقاد, فيلزم من ذلك أن تنفي الصفات وتقول: ما المانع أن يكون سميعًا بلا سمع وأنفي هذا ما دمت أني أؤمن به وأعبده وأوحده سبحانه وتعالى, فتفعل في صفات الله عز وجل من النفي والتعطيل ما تشاء ثم تقول: إني أؤدي وأمتثل ما جاء به، فهذا مشابه لذاك, ولهذا كان السلف يشددون في ذلك, ويتفقون على أن من قال: إن كلام الله مخلوق فهو كافر, بل قال عامة السلف: إن من قال في حرف من القرآن مخلوق فهو كافر بالله؛ لأن من قال بالحرف يقول بالحرفين ومن قال بالحرفين يقول بالثلاثة, ومن قال بالثلاثة يقول بكلام الله سبحانه وتعالى كله جل في علاه.

يقول المصنف رحمه الله: (ومن لدنه وليس بمخلوق) , وقوله: من لدنه, يعني: أنه خرج منه سبحانه وتعالى, ويريد بذلك نفي البدعة بأن القرآن إنما خلقه الله عز وجل هكذا ثم أمر بإنزاله؛ كما يخلق الناس ويخلق الكائنات, فأوجده الله عز وجل في جبريل ثم أمر بأن يسمعه جبريل محمدًا صلى الله عليه وسلم,

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت