فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 114

تحسن إلى شخص وتعطيه مالًا, ثم قام بسبك فإنك تجد دافعًا بقطع المال عنه؛ لأنك تتألم, وتريد انتصارًا لنفسك, لكن الله لا يتألم ولا يضره فعل العباد, فهم إنما يكفرون لأنفسهم ويحسنون إلى أنفسهم, ولهذا يرزق الله عز وجل الكافر ويرزق المؤمن؛ لأن الحسنة له والسيئة عليه, وهذا يوجد نوع منه مع ضعف في البشر, وذلك أن الإنسان في جانب انتصاره لنفسه ينتصر ممن يؤذيه ولا ينتصر ممن لا يؤذيه ولو اشتركا في الأذية, إذا سبك طفل عمره ثلاث سنوات, سبك بكلمة فقال: يا كذا, وسبك رجل عمره عشرون سنة فقال: يا كذا, أيهم أقرب إلى انتقامك؟ لا شك أنه الثاني؛ لأنه أوجد في نفسك ألمًا ولعلمك أنه قاصد لذلك, لكن الصغير ربما يطلق عليك كلمة وتقوم بالمسح برأسه وتعطيه حلوى أليس كذلك؟ لماذا تشفق عليه؟ لأنك ترى أن بينك وبينه بونًا شاسعًا, فهذا مخلوق مع مخلوق, فكيف بالخالق الذي له المثل الأعلى وليس له مثيل سبحانه وتعالى, لذا ربما يسيء المخلوق لله فيمزق المصحف ويسب الله ثم تجد أن الله يعطيه ما لذ وطاب؛ لأن الله عز وجل لا يتضرر بهذا الشيء, بل الضرر عليك أنت, وهذا يجده الإنسان في نفسه.

فمثلًا: تجد الذرة أو النملة تأتي إلى قدمك وربما تلدغك وأنت لا تشعر ثم تذهب، فهي ترى نفسها أنها منتصرة عليك؛ لأنك ما تبعتها, وأنت ترى أن مقامك وجبروتك أكبر من أن تطارد هذه النملة.

كذلك أيضًا البعوضة تأتي إلى يدك وتقوم بلدغك ثم تطير وأنت تراها تطير, ولا تتبعها, ولم تنتصر منها؛ لأنها بعوضة وأنت إنسان, فكذلك أنت ودنياك لا تساوي عند الله جناح بعوضة.

ولهذا من يسأل لماذا الله يرزق الكافر وهو يسبه سبحانه وتعالى؟ نقول له: لأن الدنيا كلها ومن فيها لا تساوي عند الله جناح بعوضة, وإنما أنت الذي تقوم لأجلها وأنت تتضرر؛ لأنك عبد فقير, فكيف تريد من الخالق أن يمتنع عن رزق عبد سبه ولم يتضرر الله عز وجل من ذلك؛ لأن الضرر عائد على الإنسان, ولهذا خلل الناس في إدراك حق الله سبحانه وتعالى سببه هو التشبيه الذي لا يدركونه, منه ما هو بمقدار الشعرة ومنه ما يزيد, فإذا ضعف هذا الجانب لديه قوي إيمانه بالله سبحانه وتعالى, والإنسان يقع في هذا الأمر من حيث لا يشعر؛ لأن الإنسان بطبعه التشبيه, فهو دائمًا يحرص على المماثلات, فتجد أنه يتوجس من شيء قد مر عليه في السابق؛ لأنه يسير على المثال, فهو يعتمد في علمه على المثليات, وأما الله سبحانه وتعالى فهو أوجد المخلوقات وهو يعلمها سبحانه وتعالى وليس بحاجة إلى مثال حتى يقيس عليه، بل يعلم الكائنات على سبيل الاستقلال بلا قياس سبحانه وتعالى, ولكن جعل الأمور متماثلة ومتشابهة حتى يعلم العباد ويقيسون حتى تستمر مصالحهم في هذه الأرض.

... إثبات عذاب القبر وفتنته

قال رحمه الله: [ثم هم بعد الضغطة في القبور مساءلون] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت