فالإنسان عقله كالكأس, وإذا قال الإنسان: أنا أريد أن أفهم الحقيقة, نقول له: الحقيقة بحر, فكيف تضعها في الكأس؟ وهذا لا يمكن؛ لأنه إذا وضعنا البحر في هذا الكأس أين يذهب الكأس؟ يذهب مع البحر، ولا يستوعب شيئًا, بل ربما يتكسر ويتصدع.
ولهذا الحقيقة الغائبة لدى الإنسان أعظم من الحقيقة المدركة بشيء لا يمكن أن يخطر في بال الإنسان, ولكن الإنسان بعقله اليسير يريد أن يستوعب العظيم, فالله عز وجل يلطف به, لهذا موسى عليه السلام مع جلالته استأذن ربه أن ينظر إليه, فقال الله عز وجل: لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ [الأعراف:143] , أيهما أقوى الجبل أم الإنسان؟ الجبل أقوى, ولهذا الله عز وجل ذكر أنه لو أنزل عليه القرآن لتصدع، وكذلك لو تجلى الله للجبل لكان حال الجبل يختلف عن حال الإنسان, ثم الله عز وجل تجلى للجبل فجعله دكًا.
وبهذا أراد الله أن يبين لموسى أني لو ظهرت لك لكنت مثل هذا الجبل, وفيه إشارة إلى أن إدراك الإنسان ضعيف.
ولهذا العلماء عليهم رحمة الله في مسألة القضاء والقدر يقولون: هذه مسألة مقفلة وضاع مفتاحها, يعني: أن إدراك الإنسان لا يمكن أن يكون, يقول الإمام أبو حنيفة رحمه الله في هذه المسألة: إن هذه المسألة كحال المبصر في الظهيرة للشمس, تحرقه ولا يستفيد, وكذلك ابن تيمية رحمه الله يقول في مسألة القدر: ما من أحد من الناس إلا وفي قلبه حسكة, يعني: لا يجد جوابًا, وهذا موجود في العلم حتى في علم الرياضيات, يقول لك: هذه المسألة ليس لها حل, أليس كذلك؟ هو ليس لها حل أو أنت لم توجد لها حلًا؟ أنت لم توجد لها حلًا, وإلا من جهة السببية في الكون لا بد لكل معادلة من حل, لكن الله عز وجل يثبت لك تحيرات حتى يثبت لك استغلاق عقلك وعدم فهمك وإدراكك؛ لأنه كيف يثبت لك الله الجهل إذا كنت في كل مسألة تمسكها لا بد أن تجد نتيجة؟ إذًا صرت ربًا ولم تكن عبدًا.
ولهذا المؤمن إذا تحير هل ينفي أم يثبت أن ثمة عالمًا يوجد ما يتحير منه, ولهذا ضلال الناس أنهم يفكرون بما علموا ولا يفكرون بما جهلوا؛ فمثلًا: الإنسان إذا كان معه كشاف يمشي في الأرض بالليل, فإذا كان يفكر بالنور فإنه يقول: أنرت الكرة الأرضية؛ لأنه يرى مساحة النور لكنه لا يرى مساحة الجهل, وهي الظلام الموجود, وكذلك الإنسان كلما يزداد من العلم يزداد من النور، وإذا ازداد علمًا في ذلك ونظر إلى مساحة علمه اغتر بعلمه, ولو فكر بمساحة جهله لاحتقر علمه, فلهذا نقول: العلة في كفر الناس وضلالهم أنهم يفكرون فيما علموا ولا يفكرون بما جهلوا, وآية ذلك أن الإنسان لو فكر أنه كل يوم اكتشف معلومة,