فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 114

قال المصنف رحمه الله: [الحمد لله أحق من ذكر, وأولى من شكر, وعليه أثني] .

هنا يقول: (الحمد لله) , الحمد: هو ذكر صفات المحمود على وجه الحب له, وقيل: إن الحمد والشكر هما بمعنى واحد, وقيل: إن بينهما عمومًا وخصوصًا, من جهة نزول الحمد على موضع المحمود, وكذلك الشكر على صفات المشكور, ومن جهة صدوره أيضًا, ويستدلون على هذا بقول الشاعر:

أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا

وذلك أن الإنسان يحمد على ما ظهر من فعله وما بطن كذلك, وعلى ما كان لازمًا من صفاته, وما كان متعديًا, أما بالنسبة للشكر فإن الإنسان يشكر على صفاته المتعدية؛ بمعنى أنه إذا أحسن إليك وبذل إليك معروفًا تقول: أشكرك, ولا تقول: أحمدك؛ لأن الحمد يكون على الصفات اللازمة التي تكون في ذات الإنسان والمتعدية إلى غيره, أما ما كان لازمًا فيه ولم يتعد إليك, فإنه يحمد عليه فقط, وأما الشكر فإنه يشكر الإنسان على ما كان متعديًا إليك, وأما من جهة صدوره فهو كما قال الشاعر:

أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا

يقول: (الحمد لله أحق من ذكر, وأولى من شكر, وعليه أثني) , وذلك أن ذكر الله عز وجل هو أعلى الذكر وأسماه وأزكاه, وأولى من شكر لسعة نعمه على عباده, التي لا تحصى ولا تدرك, فلا أول لها ولا آخر.

والواجب على الإنسان أن يحدث لكل نعمة شكرًا, ويلزم من ذلك دوام الشكر, ولكن الله عز وجل لطيف بعباده, جعل الشكر على ما يطيقه الإنسان, وكلما كان الإنسان أشكر لله سبحانه وتعالى وأوفر من جهة أداء حق الله سبحانه وتعالى عليه كان أكثر جزاء, ومن قصر في ذلك فقد جعل الله عز وجل حدًا واجبًا في كل نعمة يرزق الله عز وجل عبده بها, وذلك بأن يتبعها شكرًا بلفظ الشكر؛ فيقول: الحمد لله وله الشكر, فهذا يجزئ عن الإنسان, ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (إن الله ليرضى بالأكلة يأكلها العبد فيحمد الله, وإن الله ليرضى بالشربة يشربها العبد فيحمد الله) , يعني: ما جاءك من نعيم من أقاصي الأرض فاجتمع إليك ولو بغير مؤنة فتقول: الحمد لله, فإن ذلك يجزئ عنك, وهذا أدنى مراتب الحمد والشكر, وهذا نعمة من الله سبحانه وتعالى على عباده وشفقة ورحمة بهم أن لا يكلفهم ما لا يطيقون لعظم نعمته عليهم، وعجزهم عن استيفاء شكرها وأداء حقها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت