قائم الطبع, ولهذا حينما يأتي شخص ويقول: أنا لا أؤمن بوجود خالق, فهذا لا يعذر بجهله مع أنه لم يأته نبي مرسل؛ لأن دليل الطبع في فطرة الإنسان موجود وهو الذي جحده, ولو جاءه نص لجحده أيضًا, إذًا هو يجحد دليلًا مشابهًا من جهة الحجة لدليل الشرع، وهو ما يأتي من آيات الله سبحانه وتعالى في كتابه ووحيه العظيم.
ولهذا نأتي إلى مسألة وهي أن الله سبحانه وتعالى يخرج من النار من لم يعمل خيرًا قط, إذًا ماذا كان يفعل؟ لماذا دخل النار؟ لدينا الباب الآخر, وهو أنه لم يفعل خيرًا قط, بل كان يفعل محرمات, فعدم فعله للخير على أمرين: إما بعلم أو بعدم علم, فالإنسان يدخل الجنة إما بأفعال أو بتروك: فالتروك كتروك المحرمات والأفعال كأفعال الطاعات.
فلا بد أن يوجد جنس الأفعال في الإنسان حتى يستوجب الجنة, فقد يكون لدى الإنسان مثقال ذرة من الأفعال فحفظ على إيمانه, ولكن لديه تروك كثيرة من المحرمات زادت في ثوابه مخلصًا لله عز وجل فاستحق دخول الجنة.
وكذلك بالنسبة لدخول النار, فقد يدخل الإنسان النار ولديه أكثر من مثقال الذرة من جهة الطاعات، ولكن لديه محرمات وأفعال، فهو لم يفِ بالتروك التي أمر الله عز وجل بتركها فاستحق حينئذ دخول النار؛ كالذي يقع في الزنا, ويقع في الربا, ويقع في السرقة, ولكنه يصلي ويصوم، وآخر أقل منه صلاة ولكن لديه تروك, أي: تارك المحرمات, فهذا يدخل الجنة، وذاك يعذب في النار.
ولهذا لدينا بابان: الباب الأول باب الأفعال, والباب الثاني باب التروك, ولدينا دليلان: دليل الطبع, ودليل الشرع, وكلها يعاقب الله عز وجل بها عباده بالأفعال والتروك, ويثيب الله عز وجل عباده أيضًا بنوع من الأفعال والتروك.
ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى قد يدخل عبدًا النار ولم يبلغه دليل الأفعال في الشرع, بمعنى: أن الإنسان يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وهو لا يدري ما صلاة، ولا صيام، ولا صدقة، ولا نسك, ولا يعلم شيئًا من الشريعة, فهذا معذور، لكنه يقتل ويزني ويسرق, فلم يأته دليل من الشرع في فرضية الصلاة فضلًا عن أن يأتيه دليل من الشرع بمسألة الزنا والسرقة والقتل, لكنه يزني ويسرق ويقتل, فهذا يستوجب النار, وقد يعذبه الله سبحانه وتعالى, وهو لديه أفعال، فإذا عذبه الله عز وجل عذبه بما ثبت من دليل الطبع فيه, وهو تحريم القتل, وإن لم يأت نص بتحريم القتل لديه, فالقرآن ليس لديه والسنة ليست لديه, لكن دليل الطبع موجود لديه بتحريم القتل, فعذبه الله به، ولكن لم يعذبه بترك الأعمال؛ لأنه ليس لديه خير يخرجه