الأحكام, كذلك أيضًا هناك محرمات لا يدل عليها دليل الطبع, وإنما يدل عليها دليل الشرع, كلبس الذهب والفضة مثلًا من المنهيات للرجال, فهذا لا يدل عليه غالبًا دليل الفطرة, وإنما لا بد من دليل الشرع, كذلك النهي عن الأكل بالشمال وغير ذلك فهذه لا بد فيها من دليل الشرع، ولا يدل عليها دليل الطبع.
والله سبحانه وتعالى يعاقب عباده بالأمرين, بدليل الطبع وبدليل الشرع؛ ولهذا الإنسان إذا كان ملحدًا يزعم أنه لا خالق, ثم قام بجريمة قتل ولم يكن لديه نص من الوحي من كلام الله ولا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن القتل محرم وببيان عقوبته, فالله سبحانه وتعالى يوم القيامة يؤاخذه على القتل ولو فعله من غير علمه بالشرع؛ لأن الدليل قائم بالطبع, ولهذا ينزل الخلق عليه العقوبة فيما بينهم، فإذا قتل فإنهم ينزلون عليه العقوبة بذلك؛ لأن هذا الأمر معلوم بالطبع.
كذلك أيضًا ما يكون من السرقة والاغتصاب وغير ذلك من الأمور المعروفة في الطبائع, ولهذا تجد الناس على اختلاف شرائعهم ومللهم, سواء كانت سماوية محرفة أو محكمة، أو كانوا أيضًا من أهل الاختراع والابتداع للملل أو من الذين يعبدون الأصنام والأوثان, كلهم يحرمون القتل، والسرقة، وغصب الناس أموالهم وضربهم وغير ذلك؛ لأن دليل الطبع في ذلك قائم عندهم.
فإذا وجد مسلم من المسلمين يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله, ولم يرد إليه من نصوص الشرع إلا شيء يسير يقوم به, أو ربما لم يأته شيء من الأدلة إلا ما ينطق به من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولم يأته شيء من تفصيلها, ثم قام بالقتل, فهل يعاقبه الله عز وجل يوم القيامة بالقتل أو لا يعاقبه، مع أنه لم يأته دليل من الكتاب، ولا أيضًا من السنة أن القتل حرام؟ الجواب: أن الله يعاقبه بالقتل؛ لأن دليل الفطرة قائم فيه, ودليل الطبع تارة يكون في الإنسان أقوى من دليل الشرع, والله الذي أوجد دليل الطبع في الإنسان هو الذي أنزل دليل الشرع على النبي صلى الله عليه وسلم ليبلغه للناس.
ولهذا تقوم الحجة على الإنسان بالدليلين: بدليل الطبع ودليل الشرع, وقد جعل الله سبحانه وتعالى دليل الطبع في الناس فيما فطرهم عليه من الإيمان بوحدانيته حينما أخرج من آدم ذريته وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف:172] , وهذا الإشهاد هو دليل الطبع, وهو الإيمان بوحدانية الله سبحانه وتعالى, ويقيم الله عز وجل الحجة على عباده يوم القيامة بهذا الدليل؛ بأنك خلقت وأنك مطبوع على الإيمان بالخالق, فلماذا تجحد الحقيقة التي يؤمن بها العقل، ويؤمن بها السمع والبصر من جهة ما يشاهده, ولماذا تكفر بها, فدليلها في ذلك قائم, لكن ما يتعدى عن هذا وهو كيف يُعبد الخالق؟ أنت تؤمن بوجود خالق لكن الصلة بينك وبين وصف هذا الخالق وبين صرف العبادة له هذا الأمر الذي يحتاج إلى دليل شرعي, وهو مساحة العذر بالجهل, ولهذا لا يعذر الملحد بلغه الدليل أو لم يبلغه الدليل؛ لأنه قد قام فيه