عليه وسلم كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقتص الله من الشاة القرناء للشاة الجماء) , إذًا تكلف في الحقوق التي بينها بهذا الأمر, وهذا يؤيد ما تقدم الكلام عليه أن وازع الطبع كافٍ من غير شرع, حتى في البهائم فكيف في بني آدم.
والنوع الثالث من هذا الخلق: ما له نمو وليس له نفس ولا روح؛ وذلك كالأشجار, فالله عز وجل يقدر لها آجالًا تنمو وتموت, ثم تدور دورتها بما يقدره الله سبحانه وتعالى عليها, فهذه لها نمو ولكن ليس فيها أنفس وليس فيها أرواح.
والرابع: خلق ليس فيهم أرواح ولا أنفس ولا نمو؛ وهي الجمادات, وهي أنواع, منها الحجارة, والتراب, والماء, وكذلك أيضًا مما يوجده الله عز وجل من الحديد، والمعادن، وغير ذلك, وهذه لها آجال أيضًا, وآجالها تختلف, وتركيبتها وسببيتها تختلف أيضًا, وكل هؤلاء عباد لله يسبحون الله سبحانه وتعالى, ولكن الله عز وجل لا يُطلِعُ أحدًا على تسبيح أحد وعبادته إلا بعلمه، وكل له صفة من أمور العبادات, فإذا كانت بعض عبادات بني إسرائيل من قوم موسى تختلف عن عبادة عيسى, وعبادة بني إسرائيل تختلف في بعض صورها عن عبادة محمد صلى الله عليه وسلم, وكذلك الجن والإنس -وهما الثقلان- يخاطبون برسالة نبي واحد فيختلفون في بعض صور العبادة, فكيف بجنس يختلف عن غيره من جهة الخلق, فلكلٍ نوع من العبادة يصرفها لله سبحانه وتعالى لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى, وقد يطلع الله عز وجل بعض عباده على بعض الأشياء من هذا؛ كما أطلع الله سليمان وعلمه منطق الطير, وكذلك أيضًا كلام النمل وفهمه وسماعه.
يقول رحمه الله: (والخلق ميتون بآجالهم عند نفاد أرزاقهم وانقطاع آثارهم) , أي: إن الله سبحانه وتعالى من لازم ربوبيته أن يتكفل بأرزاق الخلق, فالله يرزق المؤمن والكافر, فإذا سلب الله عز وجل عبده الرزق ولم يعطه إياه فلا بد ألا يكون حيًا؛ لأنه لا بد أن يكون له رب, والله عز وجل إذا أوجده حيًا فلا بد أن يتكفل برزقه, على اختلاف في هذا من جهة الغنى والفقر, بما يقدره الله عز وجل على عباده سبحانه وتعالى؛ لأنه إذا كان حيًا ولم يرزقه الله عز جل فله رب غير الله, وإلا من الذي أبقاه؟ ولهذا تنقضي آجالهم عند نفاد أرزاقهم.
فالله سبحانه وتعالى يرزق المؤمن والكافر, وهذا مقتضى الربوبية, ولهذا الله عز وجل وصف نفسه بقوله: وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [المؤمنون:72] , قال قتادة وغيره: يرزق المؤمن والكافر, فهو يتكفل بهذا الأمر, وبعض الناس يقول: لماذا يرزق الله الكافر وهو يكفر بالله ويسب الله عز وجل وغير ذلك؟ والخلل في هذا هو تشبيه الخالق بالمخلوق؛ لأن المخلوق إذا سُب انتقم ومنع المال ممن يعطيه إياه؛ فإذا كنت