فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 114

إنه قول وعمل.

ومنهم من يكفر تارك الصلاة, ويجعل أصل هذا الباب مسألة كفر تارك الصلاة, ومنهم من لا يكفر بها, وهذه من المسائل الخلافية, والخوض فيها مما يطول بنا.

وخلاصة ذلك، أن من فهم الإيمان وعلاقة الاعتقاد والقول والعمل بمعنى الإيمان فهم مسألة الكفر الطارئ عليه, ومن اختل لديه هذا الأمر، فجعل هذا الأصل مضطربًا عنده، ولم يدركه كما فهمه السلف الصالح عليهم رحمة الله، حينئذ فإنه يختل في جانب ورود الكفر لديه؛ كحال الكفر الذي يطرأ على بعض الناس عملًا فيقول: لا يكفر؛ لأنه لم يبين مقصده؛ كالذي يسجد لصنم, أو يسب الله, أو يدوس المصحف, أو غير ذلك, فهذا ظهر منه الكفر العملي, ما لم يكن ثمة قرينة قوية تدفع القصد.

فمثلًا: لو أن رجلًا أعمى يمشي في الطريق فوطأ المصحف، ألا يوجد قرينة على أنه لا يعلم؟ يوجد قرينة, إذًا لماذا دفعنا عنه الكفر مع أنه وقع في صورة الكفر؟ دفعنا عنه الكفر لوجود قرينة قوية جدًا تدفع القصد, لكن الأصل أن الناس بأفعالهم يقصدون, هذا هو الأصل, فإذا جاء لدينا ما ينفي هذا الأصل، رفعنا الحكم المترتب على ذلك لعدم وجود القصد, فإذا لم يوجد القصد لم يوجد الفعل.

ولهذا نفرق مثلًا في وطء المصحف بين الأعمى والمبصر, كذلك أيضًا من ذبح لله سبحانه وتعالى في موضع يقصده بعض الناس -وهم قلة- للذبح لغير الله, ولكن لم يشتهر هذا الأمر, وعرف عن هذا الرجل أنه موحد, وهو جار مثلًا لهذه الشجرة أو جار لهذه الحصاة, فذبح في موضع أو في زمن يذبح فيه لله كالأضاحي, فجاء إلى حجارة يقصدها قلة أو نحو ذلك, هل نحمله على الندرة أم نحمله على الأصل؟ نحمله على الأصل, أما إذا اجتمعت القرائن في وجود شخص لا يوجد في هذا الموضع إلا من قصد؛ كالذي يقصد الأضرحة قصدًا بعينها؛ لأن الله لا يعظم فيها سبحانه وتعالى, فيسجد عكس القبلة لصنم فهذا قصد الشرك, فوقع منه الكفر عملًا ولو لم يفصح عن اعتقاده, ولهذا نقول: إذا فهم الإيمان على وجهه فهم الكفر, وإذا اختل معنى الإيمان وفهمه كما يفهمه السلف اختلت كذلك مسألة الكفر.

ولهذا يقول المصنف رحمه الله في القول والعمل: (هما سيان ونظامان وقرينان لا نفرق بينهما, لا إيمان إلا بعمل, ولا عمل إلا بإيمان) , وهذا على ما تقدم معنا في مسألة الركعات, إذا قلنا: قول وعمل, فهذا -من باب التقريب- كركعتي الفجر, الركعة الأولى ملتزمة للثانية, والثانية ملتزمة للأولى, فإذا بطلت هذه بطلت هذه وإذا بطلت هذه بطلت هذه, إذا صلى ركعة ولم يأت بالثانية بل سلم من أولى فهذه ليست الفجر, وإذا عرفنا بالتعريف الثاني؛ قول وعمل واعتقاد, أو قول وعمل ونية, نقول: هي كحال صلاة المغرب, ثلاث ركعات, لا تصح الأولى إلا مع صحة الثانية والثالثة, ولا تصح الثانية إلا مع صحة الأولى والثالثة, ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت