فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 114

الأبيض من الأسود، والأسود من الأبيض، أو بالبلدان، فيتهكم أهل البلدة الفلانية بأهل البلدة الفلانية.

وأصل الولاء والبراء أمر فطري، فجاء الله بضبطه، فمن أراد نزعه أراد أن ينزعه دينًا وأن يوجده في غيره، سواء من أمور الماديات أو غيرها، ولهذا لا بد من وجود التدين والتعبد لله سبحانه وتعالى بهذا الأصل, وهو الولاء والبراء, وأن يكون لله جل وعلا؛ ولهذا قال المصنف رحمه الله: (ويتقرب إلى الله) ، يعني: لا إلى غيره، فلا يتقرب إلى القبيلة، ولا يتقرب إلى النسب، ولا يتقرب إلى ما يسمى بالوطن أو الدولة أو الحاكم أو غير ذلك، إنما هذه تبع للبراءة والولاء الذي يكون لله، فإذا حقق الإنسان الولاء الذي يكون لله حينئذ ينظر إلى ما بعده، كالولاء للرحم، فيوالي الأب أعظم من الأخ، ثم يوالي الأخ أعظم من ابن العم، ويوالي الجار القريب ممن بعده، أو ابن القبيلة على من بعده، بعد ثبوت واستقرار الولاء لله ولمن يحبه الله سبحانه وتعالى؛ لأنه إذا اختل هذا الأصل يختل ما دونه، فمن كان كافرًا لا تقدمه ولو كان أقرب الناس إليك, سواء كان أبًا أو ابنًا أو أخًا أو زوجًا أو عشيرة.

يقول رحمه الله: (ويهجر ويحتقر) ، ذكر الهجران هنا, والهجرة: هي المفارقة والمباعدة، فيهجر الإنسان الشيء، أي: يبتعد عنه وعن قربه، ولهذا سميت الهجرة بالهجرة؛ لأن الإنسان يفارق بلد الشرك إلى بلد الإسلام، كذلك أيضًا نقول: الهجرة إما للمحسوسات وإما للمعنويات، فالمحسوسات ما يكون من هجرة الأوطان، وما يكون من هجرة الأفراد، والمعنويات ما يكون للأعمال والأقوال، فيمسك عن القول المحرم، ويمسك أيضًا عن العمل المحرم، فيهجر الخارج عن الإسلام أو الخارج عن الطاعة بمقدار خروجه، وبمقدار بعده، وهل الهجران في ذلك واجب؟ نقول: يتفق العلماء على وجوبه في حالة، وهي إذا كان يلزم من وجوده وجود ما يخالف أمر الله سبحانه وتعالى؛ كالذين يخوضون في آيات الله بالاستهزاء والكفر والبغي أو غير ذلك، أو يوجد في مواضع مثلًا فيها محاربة الله سبحانه وتعالى من تعري النساء، أو وجوده مثلًا في أماكن فيها صلبان لا يستطيع إنكارها، أو يوجد مع من يحادد الله عز وجل في أمر؛ لأن وجوده في ذلك نوع إقرار، فيتفق العلماء على تحريم بقائه ووجوب هجرانه لذلك ما استطاع.

وأما ما عدا ذلك فهل يجب الهجران أم لا؟ مجموع كلام السلف رحمهم الله في ذلك أنهم يربطون هذا بالمصلحة؛ لأن الإنسان إذا رأى أن في قربه من المبتدع أو قربه من المشرك تأليف لقلبه، وربما يقربه إلى الحق، وليس من المعاندين، فهذا يقرب منه بقصد الحق، لا يقرب ويجلس معه من غير بيان الحق، كمجرد المجالسة والأنس فيطيل معه ونحو ذلك، من غير أن يتألف قلبه، فيمكث معه أشهرًا وأعوامًا ولم يعرض عليه الإسلام، فهذه مخالطة ليست للحق، وأما المعاند المكابر الذي يزيده القرب منه تمسكًا، فيقول: ما قرب مني فلان إلا وهو يعلم بصدقي، وقوتي، وكوني على الحق، ونحو ذلك، أو أنني انتصرت عليه وغير هذا مما يزعمه أهل الباطل والشر، فهذا وجبت مفارقته حتى لا يؤثر على الناس، أو لا يؤثر على العقيدة, وكلما كان الإنسان أكثر قدوة فإن الناس يتأثرون به في مخالطة الباطل، خاصة إذا كان يخالط

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت