فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 114

[البقرة:186] , وفسر الله سبحانه وتعالى قربه هنا بالإجابة, وذلك أن قوله قَرِيبٌ [البقرة:186] , فسر بقوله: أُجِيبُ [البقرة:186] , والله سبحانه وتعالى يسمع دعوة الداعي, ويُسمعه لو شاء سبحانه وتعالى كما لو كان قريبًا, ولهذا الله سبحانه وتعالى يخاطب الناس يوم القيامة فيُسمع البعيد كما يسمع القريب بصوت واحد, كما جاء في المسند وغيره من حديث جابر بن عبد الله عن عبد الله بن أنيس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يحشر العباد يوم القيامة حفاة عراة غرلًا, فيناديهم الله عز وجل بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب, فيقول: أنا الملك, أنا الديان, لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقص منه حتى اللطمة, ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وعليه لأحد من أهل النار حق حتى أقص منه حتى اللطمة) , الحديث, وأصله في البخاري معلقًا في كتاب العلم.

فالله سبحانه وتعالى قريب من عباده, مطلع على أحوالهم, وهو معهم أينما كانوا, كما قال تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4] , يعني معهم سبحانه وتعالى بعلمه، وسمعه، وبصره، وإحاطته جل وعلا, يرى أفعالهم ويسمع سبحانه وتعالى ما يصدر منهم من أصوات وهمسات, ويجيب دعوة الداعي, ويعلم خطرات الأنفس, ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض.

ومن سعة علمه سبحانه وتعالى أنه يعلم الغيب والشهادة, ويعلم ما كان, وما يكون, وما سيكون, وعلم الله عز وجل لأمر الغيب والشهادة لا يختلف, فلا يزيد علم المشاهد عنده لكونه مشاهدًا, ولا ينقص علم الغيب عنه لكونه غائبًا.

وهذا الأمر إذا أدرك على وجهه عُلم أن الله سبحانه وتعالى شرع شرعته وأحكم دينه للعباد في حال الغيب وحال الشهادة, فشرع شريعته لأمة الإسلام في الصدر الأول وهم شاهدون, وشرع الله سبحانه وتعالى الشريعة لبقية الأمة وهم غائبون, فهو يعلمهم سبحانه وتعالى على حد سواء, فلا ينقص علمه الغائب لكونه غائبًا, ولا يزيده الشاهد لكونه شاهدًا, فعلمه سبحانه وتعالى في كل ذلك تام.

فهذا الاختلال في أمر العلم هو الذي أضل العقلانيين في باب الحكم وباب التشريع, فقالوا: إن شريعة الله صالحة لزمن دون زمن؛ لأنهم يقيسون علم الله على أنفسهم, فيرون العلم المشاهد، ويضعف لديهم العلم الغائب, فإذا جاء الغائب وحضر وكان شاهدًا عظم المشاهد وضعف الغائب, ولهذا يتقلبون بين غيب وشهادة.

والله سبحانه وتعالى يرى الماضي والمشاهد، ويرى الغائب على حد سواء من جهة كمال العلم, وقد أنزل سبحانه وتعالى شريعته على الجميع, فبها يصلح أمر دينهم وتصلح دنياهم, ولهذا جاء في حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى -وهو أيضًا ظاهر القرآن- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت