يكلها إلى الله سبحانه وتعالى.
هذه المسألة هي من المسائل التي تكلم فيها كثير من الطوائف ومن الفلاسفة القدامى في كل ملة من الوثنيين عباد الأصنام ومن البابليين ومن الهنود ومن المجوس وغيرهم, ممن يتكلمون في هذا, حتى الفلاسفة المتأخرين ممن لديهم نفس إلحادي؛ كفولتير في القرن الثامن عشر وله كتاب اسمه القدر, وقد تكلم على هذه الحيرة, وفي مسائل تقدير الخالق في وجود هذه الأشياء, وكلام الفلاسفة الأوائل مثل: أرسطو و أفلاطون و سقراط في هذا الباب, الذين تحيروا في مسائل القضاء والقدر, فهم يثبتون وجود المعادلة السببية, ولكنهم ينفون تصرف الخالق سبحانه وتعالى فيها, فيقولون: إن الله أوجد الخليقة وفق نظام ومعادلات حسابية من جهة العمل, وخلق الكون ثم تركه وفق هذه المعادلة, فهم يتعاملون بحساب, فمن أراد أن يأتي بشيء يأتي مثلًا برقم عشرة لا بد أن يأتي بخمسة وخمسة حتى تكون عشرة, أو يأتي باثنين وثمانية, أو يأتي بثلاثة وسبعة, على اختلاف في المعادلات لكن لا بد أن تكون النتائج على هذا النحو, قالوا: فخلق الخلق وجعل الناس يتدبرون فيه بوفق هذا النظام وهذا الناموس, لكن لا يتدخل به الخالق.
هذه من الأمور التي تمليها عليهم عقولهم, ولكن نقول: إن الإنسان فطره الله عز وجل على الإيمان بهذا الأصل, فهو يأخذ تفاصيل هذا الأصل من الخالق سبحانه وتعالى, من الإيمان بالله في ذاته, في معرفة أسمائه وصفاته, في ربوبية الله وألوهيته, لهذا فهو مفطور على الإيمان بوجود الخالق, فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30] , وكما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) , كل مولود يؤمن بأنه يوجد خالق وإن لم يوجد تحت هذه العبارة خالق, منهم من يقول: يوجد من هو أقوى مني, من هو الأقوى منك؟ يختلفون في هذا ويتحيرون, منهم من يجعل الخالق كوكبًا, ومنهم من يجعل الخالق شجرًا, ومنهم من يجعل الخالق شيئًا غائبًا من الجن والغول, ومنهم من يجعل الخالق حيوانًا كالبقر والفأر وغير ذلك, فيتحيرون في إيجاد هذا الأمر, ويتلمسون في الظلمات.
لذا الله يبعث الأنبياء بالوحي ليوافق الفطرة الكامنة في ذات الإنسان؛ حتى يرشده إلى معرفة الخالق بدلًا من أن يتخبط, يعني: لا تذهب إلى كوكب ولا تذهب إلى شيء، الفطرة موجودة لديك لكن أريد أن أوجهها التوجيه الصحيح.
ولهذا يقول العلماء: إنه لا يكاد أحد ينفي ربوبية الله سبحانه وتعالى, ولكن الخلل هو في تحديدها, فمنهم من يتعلق بالنور والظلمة, ومنهم من يتعلق بالكواكب, ومنهم من يتعلق بالأبراج, ومنهم من يتعلق بأشباح وكوائن غيبية، وغير ذلك من الأمور المتصرفة في الكون, فهؤلاء البذرة موجودة عندهم من جهة الربوبية،