الحمد الله الواحد القهار، العزيز الغفار، مكور الليل على النهار ومكور النهار على الليل، تبصرة وذكرى لأولى القلوب والأبصار. والصلاة والسلام على المصطفى المختار محمد بن عبد الله، أما بعد:
فإن المال عصب الحياة، والأداة الأكثر فعالية في الاقتصاد وحياة الأفراد والشعوب، وقد سماه الله خيرًا {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) } [1] . والخير هنا هو المال، كما جعله الله زينة الحياة الدنيا {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [2] . بل شرفه الله ـ عز وجل ـ بإضافته إلى ذاته العليلة فقال سبحانه: {وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ} [3] .
وهذا المال تجري عليه تعاملات عدة من بيع وشراء وإيجار وغيرها.
وحيث إن الشريعة الإسلامية شاملة لكل نواحي الحياة، وصالحة لكل زمان ومكان فقد تناول الفقهاء أحكام هذا المال والتصرفات الواردة عليه في أحد أقسام الفقه هو قسم المعاملات.
وإن من هذه المعاملات التي تناولها الفقه الإسلامي توثيق الديون، فالإنسان ـ كما قال ابن خلدون ـ مدني بطبعه لا يفتأ يحتاج إلى غيره، وقد تصل به الحاجة إلى الاستدانة لقضاء حاجته، ولكن المدين قد لا يكون محلًا للثقة لدى دائنه، ولذا يلجأ الدائن إلى توثيق هذا الدَّين.
وتوثيق الديون يكون بعدة طرق منها: الكفالة و الحوالة، إلا أن الكفيل أو المحال عليه قد يتعرضان للإفلاس، فلا يتمكن الدائن من استيفاء دينه، ولذا يلجأ الدائن إلى توثيق دينه بالمال، وبالتالي منع المدين من التصرف بهذا المال تصرفًا يخل بالوثيقة ويتضرر منه الدائن، وهذا ما يسمى بالرهن.
فالرهن أمر مهم في مجال المعاملات؛ لأنه يسهل عملية القرض والبيع وغيرهما.
(1) سورة البقرة، الآية [180] .
(2) سورة الكهف، الآية [46] .
(3) سورة النور، الآية [33] .