الفرع الثاني
السبب المباشر في الفقه
لم يبحث الفقهاء مسألة السبب في العقد كنظرية، وإنما تناولوه في ثنايا بحثهم في مسائل أصول الفقه، أو من خلال بحثهم للنية والقصد في العقود والعبادات، وتوصلوا إلى أن قصد المتعاقد إذا كان مشروعًا كان العقد صحيحًا، و إلا فالعقد باطل. [1]
ومن المسائل التي بحثها الفقهاء في هذا المجال، مسألة موضوع العقد، وهو يلتقي مع السبب المباشر الذي بحثه أهل القانون في بعض الخصائص.
فموضوع العقد: هو المقصد الأصلي الذي شرع العقد من أجله، وإذا كان القانون عند القانونيين هو الذي يحدد مقصد العقد أو آثاره، لا إرادة العاقد، فإن الشارع الحكيم في الشريعة الإسلامية هو الذي يحدد الآثار الخاصة لكل عقد، وبهذا التحديد وفي نطاقه تتحقق الأغراض الصحيحة التي يقصدها العاقدان من إنشاء العقد.
وموضوع العقد واحد ثابت في كل فئة أو نوع من أنواع العقود، ويختلف باختلاف فئات العقود أو أنواعها، فهو في عقود البيع واحد: وهو نقل ملكية المبيع للمشتري بعوض، وفي الإجارات: تمليك المنفعة بعوض، وفي عقد الرهن ضمان الدائن المرتهن لدينه الذي في ذمة المدين.
ويفترق موضوع العقد أو المقصد الأصلي منه في الفقه عن السبب المباشر في النظام، وذلك من جهة أن السبب المباشر ملازم لإرادة العاقد خاصة، وإن كان متميزًا عنها، أما المقصد الأصلي فهو في الأصل منفك عن الإرادة الخاصة للعاقد، غير متلازم معها، وإنما هو متلازم مع إرادة الشارع. [2]
إذن فالسبب في الفقه الإسلامي هو المقصد الأصلي للعقد، أي: أن السبب هو مجموع الآثار المتولدة، فإن كانت هذه الآثار سليمة ذات محل مشروع، كان العقد صحيحًا و إلا كان العقد باطلًا، وهذه الآثار: هي التي دفعت العاقد إلى التعاقد. [3]
(1) انظر: النظرية العامة للموجبات والعقود في الشريعة الإسلامية، الدكتور صبحي محمصاني، ص 343، والوسيط في نظرية العقد، عبد المجيد الحكيم، ص 449.
(2) انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، وهبة الزحيلي، (4/ 182 - 183) ، ونظرية العقد في الفقه الإسلامي، محمد سلامة، ص 426.
(3) انظر: الفقه الإسلامي، الزحيلي (4/ 183) ، نظرية العقد، محمد سلامة، ص 426.