الفرع الثاني
صفة الدَّين التجاري في الفقه
لا يفرق الفقهاء عادة بين التاجر والفرد العادي في المعاملات، بل يسوون بينهم في الأحكام، ولكن لما تطورت التجارة في الوقت الحاضر وأصبحت تقوم على السرعة والائتمان؛ وهذا من شأنه أن يستدعي وجود قواعد خاصة بتعاملات التجار تواكب هذا التطور، كإعفائهم من بعض شروط الإثبات، أو تشدد عليهم من ناحية عدم إمهالهم لتنفيذ التزاماتهم. ومن أجل ذلك فقد تعارف التجار فيما بينهم على قواعد يسيرون عليها باعتبار أنها تناسب ظروفهم وتسد حاجاتهم، ثم دونت هذه العادات بالتدريج حتى شملها قانون كامل مكتوب، و إلا فالأصل أن القانون التجاري داخل ضمن القانون المدني [1] .
ولا يمنع الفقه الإسلامي من وضع قواعد خاصة بالتجار في تعاملاتهم إذا كانت محققة للمصلحة ودافعة للمفسدة، ولولي الأمر الحرية في الإلزام بها، بشرط أن لا تخالف نصًا في الشريعة الإسلامية أو قاعدة كلية، مثل ما تعارف عليه التجار من أخذ الفائدة على القروض فهذا لا يجوز بحال الإلزام بها، بل يحرم أخذ الفائدة حتى لو جرى عرف التجار بذلك استنادًا إلى النصوص الصريحة الواضحة التي تحرم أكل الربا بأنواعه، مثل قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [2]
وقد يفهم هذا الأمر من التفريق بين التجارة والأعمال المدنية من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [3] ، وقوله: {وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ} [4] ، ثم استثنت الآية من هذا المبدأ العام الدَّين التجاري وأباحت إثباته بغير الكتابة من
(1) انظر: القانون التجاري، علي جمال الدَّين عوض، ص 6 - 7.
(2) سورة البقرة، آية:275.
(3) سورة البقرة، آية:282.
(4) سورة البقرة، آية: 282.