من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) ). [1]
وأقوال الفقهاء في هذا المجال كثيرة لا يتسع المقام لذكرها جميعًا، فنذكر شيئًا منها:
-قول الشاطبي [2] في الموافقات: (( إن المقاصد معتبرة في التصرفات من العبادات والمعاملات ) ) [3] .
-وكذا قول ابن القيم: (( إن القصد روح العقد ومصححه ومبطله ) ) [4] .
ويقول في موضع آخر: (( فالنية روح العمل ولبه وقوامه، وهو تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها إن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه، وهذا يعم العبادات والمعاملات، والأيمان، والنذور، وسائر العقود والأفعال ) ) [5] .
ويظهر من هذه النصوص أن ما يسميه الفقهاء المسلمون بالقصد هو نفسه ما يطلق عليه أهل القانون السبب الباعث أو النظرية الحديثة للسبب.
وللفقهاء اتجاهات حول نظرية السبب الباعث، ولكن قبل أن نبين هذين الاتجاهين، يحسن أن نتطرق لتحرير محل النزاع في المسألة.
تحرير محل النزاع:
اتفق الفقهاء على بطلان العقد إذا كان القصد غير المشروع ظاهرًا في العقد، بمعنى أنه كان داخلًا في اتفاق الطرفين.
ويكون القصد المشروع ظاهرًا في العقد في حالتين:
الأولى: إذا كان القصد غير المشروع منصوص عليه في العقد مثل: أن ينص في العقد على أن المشتري يريد شراء العنب لكي يصنع منه خمرًا.
الثانية: إذا كان القصد غير المشروع مستفاد من طبيعة المحل، بمعنى أن المعقود عليه لا يستخدم إلا في الحرام، مثل آلات الطرب والمزامير.
(1) متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1/ 3) رقم (1) ، وصحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب قوله - صلى الله عليه وسلم - (( إنما الأعمال بالنيات .. ) )وأنه يدخل فيه العزو وغيره من الأعمال (3/ 1515) رقم 1907.
(2) هو الفقيه العلامة أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي، ولد سنة 730 هـ، وتوفي في شعبان سنة 790 هـ، وهو مالكي المذهب، مؤلفاته: الموافقات، الاعتصام، وغيرها كثير. انظر: الأعلام للزركلي (1/ 75) .
(3) الموافقات، الشاطبي، ص 397.
(4) إعلام الموقعين، ابن القيم، (3/ 84) .
(5) المرجع السابق (3/ 96) .