فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 182

ولم يَدُر العراك بين الشيوعية العالمية والرأسمالية العالمية، على تقرير الفضائل الإنسانية المجردة، وتقديس المثل العليا في الوجود. فكم من حق تآمر الفريقان على إضاعته، ومن مطمع تسارعا جميعا إلى اقتناصه، ومن أعراض تساويا في ذبحها، وإباحية اتفقا على إشاعتها وفرضها!. وأنى لهما الهدى، وقد حُرما من أغزر المنابع للهدى في هذه الأمور الخطيرة؟ حرما من الدين وتوجيهه! إن الدين وإيحاءه وممثليه، في عزلة قصية عن تلك القضايا الهامة. ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأمرون وهم شهود إن هذه المعركة الطاحنة على الرغيف وملحقاته تستحق النظر الطويل. وإذا كان الدين قد أبعد عنها قلة اكتراث به، فلن يهمل حكمه عاجلا أو آجلا، ولا يجوز أن يطول أمد ذلك الإهمال على أية حال. إن أول ما يأخذه الإسلام على الرأسمالية ـ باعتبارها نظاما جُرِّبَ وشهد العالم تطبيقه وآثاره ـ أن الذى يربح منه طبقة محدودة جدا، وأن هذه الطبقة الرابحة، تقبل علي الدنيا إقبالا عارفا، موصول اللذة ممدود المتعة، تأكل التراث أكلا لما، وتحب المال حبا جما. وهذا المسلك تولد عنه خطران بالغان، فالإقبال على الدنيا، ومواتاة الفرص الواسعة للإفادة منها كره هؤلاء القوم في الدين، وجعلهم يتجهمون لدعاته، ويتبرمون بتوجيهاته. وهذا سر وقوف الرأسماليين القدامى في وجه الرسل الأولين، وقفة سافرة الطغيان، فصل القرآن مظاهرها، في كثير من سوره. وكما ينصرفون عن الدين هم أنفسهم، يصرفون غيرهم عنه كذلك. فإن عيون الجياع عندما تتطلع إليهم، لا ترتد إلا وهى مليئة بالحقد الأعمى، والغيظ المكظوم. ولأمر ما، كفرت الشيوعية بكل شىء، فقد تمخضت عنها بيئات، سلبها الحرمان كل شىء فلم يترك لديها إلا تفكير الثوار المدمرين. ثم إن الإسلام يضيق بالرأسمالية، لأنها لم تضع نظاما جادا لمحاربة الفقر، بل لم تؤسس حكمها على فكرة إراحة الناس منه.136

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت