هذه الفتوى الدقيقة في فهمها لروح الإسلام ونصوصه، الجريئة في طريقة إعلانها وأسلوب توجيهها، تعد فخزا لعلماء الإسلام لا ريب فيه. كما تعد كشفا حاسما للنزعة الاشتراكية، التى ينطوى عليها ديننا، والتى يستهدفها الاقتصاد العالمى في العصر الحديث. مع أن القصة السالفة جرت ـ كما ترى ـ في القرون الوسطى. ذلك حاكم عظيم انتصب لمحاربة الهمجية الجارفة، التى أشاعها التتار في الأرض، والتى أصاب الإسلام ـ نفسه ـ منها بلاء كبير وشر مستطير طوى لواء الدولة العباسية الكبرى في بغداد، ثم هو يوشك أن يطوى أعلام الإسلام المرفوعة في بقية عواصمه، د مشق، و القاهرة، وغيرهما. ويريد هذا الحاكم ـ باسم الإسلام ـ وفى سبيل هذه الغاية النبيلة، أن يستولى على ما يشاء من أموال، وأن يصادر ما يريد من ثروات. فيتصدى له عالم باسم الإسلام ولوجه الله، ويقول: على رسلك، لا تلبس الحق بالباطل. نح مظاهر الترف من حولك، حتى إذا استنفدت ما يتمتع به الأغنياء من الكماليات النافلة، عُدت على جمهور الشعب، فصادرت ما عنده من ضرورات لازمة. ويوم تفعل ذلك، يعطيك الشعب قوته قرير العين، كما أعطاك دمه رضى النفس. أما الافتيات على أموال الفقراء القليلة، وترك الناعمين والمترفين يأكلون كما تأكل الأنعام، فذلك ما لا يرضى به الإسلام!. إن الفتوى حسن تطبيق، قبل أن تكون حفظ نصوص. وما أتيت الديانات إلا من حافظ غير حاذق، حفظ شيئا وغابت عنه أشياء!. وهذا الصنف من العلماء الأمجاد، أمثال"محيى الدين النووى"، يقطع كل لسان يزعم أن الدين مخدر للشعوب ـ كما يزعم الشيوعيون ـ. ويقطع ـ كذلك ـ الطريق على كل محاولة دنيئة، لاستغلال الشعوب باسم الدين، وتسخيرها في مطامع الحكام المستبدين.164