* وربما رأى في النص والحادثة، تقييدا بالزمان والمصلحة وما لا بسها من حوادث، وكان يراعى المصلحة، ورفع الضرر عن الأمة. ولا أعلم ضررا أبلغ من التفاوت الكثير في الملكية الزراعية. وبحسبنا أن ننظر إلى آثاره السيئة عندنا، فقد جعل في الأمة طبقتين: طبقة أصحاب الأرض المالكين، وفيهم الغنى والقوة، وفيهم ما ينتجه الغنى من الترف والكبر والأشر والبطر والاستعلاء وكمط الناس. وطبقة الفلاحين، وهم الكثرة الكاثرة من الأمة، وفيهم الفقر والحاجة. وتتبعه أثاره من الجهل والمرض والذلة، والضعة والمهانة والاستخذاء وخلق العبيد، من الجبن والخور والصفار. ومثل هؤلاء لا يأبون الضيم، ولا يحمون الذمار، ولا يدفعون العار!. وإنما تولدت فيهم هذه الرذائل وما يتبعها، لأنهم يرون أن رزقهم وحياتهم، وعزهم وذلهم، بيد صاحب الأرض.. إن شاء أبقاهم وإن شاء أخرجهم، فرمى بهم إلى الطرقات حيث الجوع والعرى والموت، فيبذلون له ويخضعون. وهذه النفوس المريضة لا ينفع فيها علاج، لأنه كلما رفع المربون والعلماء من نفوسهم، وراضوهم على العزة، طغى على ذلك كله ما هم فيه من حالة اجتماعية فاسدة، ومن وضع يجعلهم محتاجين لمخلوق مثلهم. وماذا تنفع العظات والعبر، إذا كانت تبنى، والواقع يهدم، وإذا كانت تدعو إلى العزة، وواقع الحياة يدعو للذلة؟!. أما الآن، فإننا نأمل أن يصلح الله بتحديد الملكية الحالة الاجتماعية، وأن يحقق الله به كثيرا من العدل في الجماعة، وأن يرفع مستوى المعيشة لكثير من الفلاحين، فيتعلموا بعد جهل، ويصحوا بعد مرض، ويأمنوا بعد خوف، وأن يشعروا بالعزة والقوة والحرية، وأن تربى فيهم أخلاق الأحرار من الغضب للحق، والإباء للظلم، والكراهية للاستعباد. فإذا استنصروا نصروا، وإذا استنفروا نفروا، وإذا أتاهم عدو مغير طاروا إليه زرافات ووحدانا". ا. هـ."