وقابل رجل"أبا ذر"، وقال ل:ه إن"معاوية"يقول: المال مال الله، كأنه يريد أن يحتجبه دون الناس، ويمحو اسم المسلمين عنه. فذهب"أبو ذر"لمعاوية يسأله ـ مستنكرا ـ: ما الذى يدعوك أن تسمى مال المسلمين مال الله؟. فقال"معاوية"الداهية: ألسنا عباد الله والمال ماله؟ فنهره"أبو ذر": لا تقل هذا!. فأجاب"معاوية"ـ ملاينا ـ: ما الذى أوجدك يا"أبا ذر"علينا؟!. فقال"أبو ذر": إن أموال الفىء من حقوق المسلمين، وليس لك أن تختزن منها شيئا، ولكنك خالفت الرسول و"أبا بكر"و"عمر"، وكنزتها لك ولبنى أمية.. لقد أغنيت الغنى وأفقرت الفقير!!. وهذه المناقشات، تطل من ورائها طباع الرجلين، هذا على صراحته، واستقامته، ودفاعه عن الحق، وهذا على مداورته، وسعيه الخفى، لبلوغ مأربه واحتياله في شراء خصومه وكبح جماحهم، بكافة الوسائل المتاحة له.. وروى أن"معاوية"أرسل"لأبى ذر"ـ خفية ـ مائة ألف درهم ـ لعله أراد إسكاته بها ـ فأخذها"أبو ذر"ووزعها على الناس عن آخرها. وبقى كلا الخصمين في موقفه، ذاك، باسم أن المال لله ، يريد إنفاقه لغير الله ، وهذا باسم أن المال للمسلمين، يريد إنفاقه في سبيل الله؟ فما أعجب التسميتين وأغرب الغايتين!!. ولقد قال"معاوية""لأبى ذر": إننى أدخر المال لإنفاقه في وجوه المصالح العامة، فرد عليه"أبو ذر": إنك لا تريد بعطاياك وجه الله ، بل تريد أن يقال: إنك جواد وقد قيل..! * * * * ولم ير"معاوية"بدا من الاستعانة بعثمان لإخراج"أبى ذر"من ديار الشام كلها. فتم له ما أراد وأقفرت الشام من صوت الإصلاح الفذ في ربوعها. وكان إخراج"أبى ذر"على صورة مزرية بمكانته، وماضيه الناصع وسمعته النقية. لقد أخرج متهما ببث المبادئ المتطرفة، وتجميع الناس عليها، أو بلغة عصرنا هذا: متهما بالشيوعية!! والذى تولى اتهامه"معاوية".087