وقد أبرم هذا الحكم وأيده عثمان فيه. ويقينى أن"عثمان"لو اطلع الغيب وعرف ما كان"معاوية"يدبره لمستقبله ومستقبل أسرته، بل لمستقبل الإسلام والمسلمين جميعا، ما خذل رجلا من السابقين الأولين هذا الخذلان المريب، في موقف لا مطمع في بواعثه أو أغراضه!!. فلماذا لا توصف حركات"أبى ذر"بالشيوعية، ولا يرمى بالتطرف إلا في هذا العهد الأموى؟!. وأين كانت هذه التهم خبيثة على عهد الرسول ومن بعده؟!. بلى.. إن كل صوت يدعو إلى الخير ويقسو على الشر، ويعرف مصدر الداء ويمسك بخناقه ويملأ الدنيا صياحا حوله، يعتبر صاحبه ـ في عرف المغرضين ـ متطرفا، وإن كان منصفا!!. إن السابقين الأولين من أصحاب رسول الله، ما كان يجوز إهدار حقهم على هذا النحو! ولقد كان"عثمان"رضى الله عنه أول من ذهب ضحية هذه السياسة، التى جرأت الصعاليك على أفاضل هذه الأمة. على أن"أبا ذر"لما عاد إلى المدينة، لقى من الناس إقبالا حاشدا، وحفاوة رائعة، وأخذت الجماهير تلتف به كأنها لم تره قبل اليوم!. فرأى"عثمان"أن ينفيه إلى"الربذة"حتى لا تشيع قالته، ومنع أن يودعه أحد في طريقه إلى منفاه. ولكن"على بن أبى طالب"أبى إلا أن يؤدى حق هذا الرجل العظيم، وآلمه أن ينفى"أبو ذر"هكذا، كأنه من قطاع الطريق، على حين يترك قاطعو الطريق على مستقبل الأمة الإسلامية، يلهون ويمرحون، ويثرون ويدخرون. فخرج"على"وأولاده يودعون"أبا ذر"لوجه الله. وكان هذا الوداع من أسباب الجفوة بين على وعثمان .088