ولن يعدم منتحلو الأعذار، ما يسوغون به القسوة على"أبى ذر"، بدعوى حماية الدولة وصيانة نظمها!. وهى دعاوى يرجم بها الأبرياء، أكثر مما يرجم بها المجرمون. فإن يكن للأولين عذر في اتهام"أبى ذر"، فما عذر المتأخرين، بعدما تكشفت الحوادث عن الفتنة الكبرى، ودارت رحى الإسلام على أهله، سنين عددا. تبين أعقاب الأمور إذا مضت وتقبل أشباها عليك صدورها أفلو أخذ برأى"أبى ذر"، فأقصى"معاوية"عن الشام، وعادت الأمور في المدينة سيرتها الأولى كما كانت على عهد"عمر"، أكان يحدث ما حدث من اضطرابات وانقلابات؟؟. كلا، كلا! ومع ذلك، لا يزال في الناس من يتهم"أبا ذر"رضى الله عنه ويعتبر أن نفيه كان منعا للفساد!!. لقد استعصى"أبو ذر"على أمواج الفتن التى ضربت برشاشها وجوه الكثيرين، وبقى أمامها منتصبا كالربوة الشماء، لا يهزم ولا يلين. ومع أنه كان يزعج الحكام الساسة، بنقده المر، وصراحته الرائعة، فقد كان في حياته الخاصة سهلا لينا، نصيبه من الدنيا نصيب خادمه.. يأكلان طعاما واحدا، ويلبسان ثوبا واحدا. فلما حضرته المنية في المنفى، استعير له الكفن الذى يلقى فيه ربه، وقام بمواراة الجثة الطاهرة وفد عراقى، كان يمر بالربذة إلى الحجاز. فلم يلف جثمان"أبو ذر"فى علم، ولا حمل على عربة مدفع!. حسبه أن ملائكة الرحمة بسطت لروحه الكبير أجنحتها لترفعه في عليين، إلى جوار رب العالمين.089