بلغه أن بعض أولاده اتخذ خاتما واشترى له فصا بألف درهم، فكتب إلي:ه أما بعد فقد بلغنى أنك اشتريت فصا بألف درهم، فبعه، وأشبع به ألف جائع، واتخذ خاتما من حديد، واكتب علي:ه"رحم الله امرءا عرف قدر نفسه"وهذه الخطة التى سلكها"عمر"، تتفق كل الاتفاق مع الخطة التى سلكها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع أهل بيته. فقد دخل على"فاطمة"، وقد نزعت من عنقها سلسلة من ذهب تريها لامرأة أخرى، وهى تقول لها: هذه أهداها إلى"أبو الحسن"، فقال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: يا فاطمة، أيسرك أن يقول الناس: ابنة رسول الله في يدها سلسلة من نار؟ ثم خرج فلم يقعد. فأرسلت"فاطمة"بالسلسلة فباعتها، واشترت بثمنها عبدا فأعتقته. فَحُدِّث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذلك، فقال: الحمد لله الذى نجى فاطمة من النار. ومع أن تحلى النساء بالذهب والحرير لا بأس به، إلا أن ذلك لا موضع له وفى الأمة من يطلب الضرورات فلا يجدها. وفى عهد"عمر"، ظل الخليفة العادل يتتبع حاجات الناس حتى سدها. فلما حرر الناس من ذل الفقر، بدأ يحررهم من ذل العبودية. قال يحيى بن سعيد: بعثنى"عمر بن عبد العزيز"، على صدقات إفريقية فاقتضيتها، وطلبت فقراء نعطيها لهم، فلم نجد بها فقيرا، ولم نجد من يأخذها منهم، فقد أغنى،"عمر بن عبد العزيز"الناس، قال: فاشتريت بها رقابا فأعتقتهم!!. * * * * هذا هو الإسلام، الذى تسعد الشعوب في ظله، عندما يقيض له القدر حكاما أمناء، والويل للدين والدنيا من الولاة السفهاء. والحقيقة أن طبيعة الإسلام المشرقة، دخلت في صراع عنيف مع طبيعة العصور المظلمة، وطبيعة الرجال الأنانيين الذين عاشوا فيها.100