وذهب أبو ذر الغفارى ـ رضى الله عنه ـ إلى أنه يجب على كل شخص، أن يدفع ما فضل عن حاجته، من أى مال مجموع عنده في سبيل الله ـ أى في البر والخير ـ وأنه يحرم ادخار ما زاد عن حاجته، ونفقة عياله. هذا هو مذهب"أبى ذر"، ولا يعلم أن أحدا من الصحابة وافقه عليه. وقد تكفل كثير من علماء المسلمين برد مذهبه، وتصويب ما ذهب إليه جمهور الصحابة والتابعين، بما لا مجال للشك معه، في أن"أبا ذر"، مخطئ في هذا الرأى. والحق أن هذا مذهب غريب من صحابى جليل"كأبى ذر"، وذلك لبعده عن مبادئ الإسلام، وعما هو الحق الظاهر الواضح، ولذلك استنكره الناس في زمنه، واستغربوه منه. قال الألوسى في تفسيره ـ بعد ما بين مذهبه ـ ما نص:ه " وكثر المعترضون على"أبى ذر"فى دعواه تلك، وكان الناس يقرءون له آية المواريث، ويقولون: لو وجب إنفاق كل المال، لم يكن للآية وجه. وكانوا يجتمعون عليه، مزدحمين حيث حل، مستغربين منه ذلك ".! ومن هذا يتبين أن هذا الرأى خطأ، وصاحبه مجتهد مخطئ، مغفور له خطؤه، بل مأجور على اجتهاده. ولكنه لا يتابع فيما أخطأ فيه، بعد أن تبين أنه خطأ لا يتفق وما يدل عليه كتاب الله، وسنة رسوله، وقواعد الدين الإسلامى. ولما كان مذهبه داعيا إلى الإخلال بالنظام، والفتنة بين الناس، طلب"معاوية"والى الشام من الخليفة"عثمان"رضى الله عنه أن يستدعيه إلى المدينة. وكان"أبو ذر"وقتئذ في الشام فاستدعاه الخليفة، فأخذ"أبو ذر"يقرر مذهبه، ويفتى به، و يذيعه بين الناس. فطلب منه"عثمان"أن يقيم بجهة بعيدة عن الناس، فأقام"بالربذة" (مكان بين مكة والمدينة) . قال ابن كثير في تفسير:ه كان من مذهب"أبى ذر"تحريم ادخار ما زاد على نفقة العيال. وكان يفتى بذلك ، و يحثهم عليه، ويأمرهم به ويغلظ في خلافه.104