ومجاهدة أوائل الصوفية لأنفسهم ترمى إلى علاج كل ميل من هذه الميول فمنهاجهم وطرقهم كلها تقوم على أساس عدم الاستجابة لهذه الميول والعمل على تقويمها وعلاجها ومثال ذلك ما يذكره المحاسبى في محاسبة النفس وأنها على وجهين:
أحدهما: بالنظر إلى مستقبل الأعمال .
والثانى: بالنظر إلى ما استدبره الإنسان منها .
فأما المحاسبة في مستقبل الأعمال فقد دل عليها الكتاب والسنة وأجمع عليها علماء الأمة وفى كتاب الله تعالى:
{ واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه } (1) .
وهذا تحذير منه لنا وتنبيه على ما ذكره تعالى في كل ما نأتى وما ندع ، واتقائه في آداء فرائضه واجتناب نواهيه (2) .
وأما المحاسبة فيما مضى من الأعمال فيستدل لها المحاسبى بقوله تعالى:
{ وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون } (4) .
ــــــــــــــــــــــــ
1-السابق ص 326 .
2-البقرة / 235 .
3-الرعاية لحقوق الله لأبى عبد الله الحارث بن أسد المحاسبى تحقيق د . عبد الحليم محمود ص 48 طبعة دار المعارف .
4-النور / 31 .
ويذكر القشيرى أن المعلولات من أوصاف العبيد على ضربين:
أحدهما: ما يكون كسبا له كمعاصيه ومخالفته .
والثانى: أخلاقه الدنيئة فهى نفسها مذمومة .
فإذا عالجها العبد ونازلها تنتفى عنه بالمجاهدة ، فالميل الحيوانى يعالج بالإيمان ، والشيطان يعالج بالعباد وكثرة التنفل ، والميل الإبليسى يمكن أن يداوى باللجوء إلى الله وهكذا (1) .
ومن ثم يرمى الصوفى من عمله إلى القضاء على التنازع المتعدد في الاتجاهات الكائنة في ذاته وإيجاد الانسجام الخلقى أو على الأقل التخفيف من الصراع الدائر بين هذين المبدأين بمراتبهما (2) .