فهرس الكتاب

الصفحة 21768 من 26727

وتحقيق الذات الإنسانية بهذا المفهوم يأخذ معنى لدى أوائل الصوفية مخالفا عن نظيره عند الآخرين ، حيث أن تحقيق هذه الذات لا يكون ببروزها ولا يعنى ذلك استقلالها واعتدادها بنفسها ، كما أن ذلك لا يكون بتعقلها للحقائق الكونية واستطالة الانسان فيها ، ولكن تحقيق الذات الإنسانية عند الصوفية يكون بالتحرر مما سوى الله وترك العبد لنفسه فيتحرر من قيودها ويؤدى العبودية على الوجه اللائق ، ولذلك فإن التسترى يشير إلى المعنى الذى يحصل بدخول آدم إلى الجنة وخروجه منها ، فيذكر أن فعل آدم صار علما وسنة في ذريته إلى يوم القيامة ، ولم يرد الله تعالى معانى الأكل في الحقيقة وإنما أراد معانى مساكنه الهمة مع شئ هو غيره .

فآدم عليه السلام لم يعتصم من الهمة والفعل في الجنة فلحقه ما لحقه . من أجل ذلك وكذلك من ادعى ما ليس له وساكنه قلبه ناظرا إلى هوى نفسه فيه ، لحقه الترك من الله عز وجل مع ما حل عليه من نفسه ، إلا أن يرحمه فيعصمه من تدبيره ، وينصره على عدوه وعليها ، فأهل الجنة معصمون فيها من التدبير الذى كانوا به في دار الدنيا لأن آدم لم ــــــــــــــــــــــــــــــ

1-رسائل الجنيد ضمن كتاب التصوف طريقا وتجربة ومذهبا ص 303 .

يعصم من مساكنة قلبه تدبير نفسه بالخلود (1) .

فليس للإنسان عدو أشد من نفسه ، وهو يرى أن البلاء يكمن في الانفرادية التى هى أصل الأنانية (2) .

ومن ثم فإن الذات الإنسانية في مفهوم أوائل الصوفية وجدت في الدنيا كامتداد لما سبق في الغيب وتنتقل بعدها إلى خالقها ، كل ذلك للقيام بواجبها في الدنيا على النحو الذى يرضى الله سبحانه ، فإن فعلت فقد وصلت إلى الكمال في تحقيق الذات وتحقيق الهدف من وجودها .

وهذه الحقيقة يقررها أبو سعيد الخراز في قوله:

( فأيقن القوم أنهم وأنفسهم لله تعالى ، و كذلك ما خولهم وملكهم فإنما هو له ، غير أنهم في دار اختبار وبلوى وخلقوا للإختيار والبلوى في هذه الدار ) (3) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت