وقد رأينا كيف نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الغلو والمسالك المتشددة التى التزم بها الملتزمون ، وأنه رأى في تعذيبهم لأبدانهم وفى عزوفهم عن الزواج والنوم والطعام رهبانية لا تمثل روح الدين ولا تمتثل له فلم يحمس على ذلك ونهى عنه ، لأن أبسط نتائجه أن يزبل العود وينحل الجسم وتضعف القوة فيقعد الإنسان عن العمل ويمد يده بالسؤال ترده اللقمة واللقمتان ، ونحن نرى في عصرنا اجتماعا لمثل هذه النوعية حول المساجد والأضرحة لا يعملون ولا يضربون في الأرض بالسعى على أرزاقهم ومعاشهم ، متظاهرين بالتنسك والتعبد مدعين التزهد والتصوف حيث أصبحوا عالة على ــــــــــــــــــــــــ
1-اللمع ص 483 .
2-السابق ص 493 .
المجتمع ووصمة عار على الإسلام والتصوف فهل تكون الزهادة على حساب الكرامة ؟
لا ... ما هكذا أراد مشايخ الصوفية الأوائل أو دعى الإسلام وكل ما أرادوه أن يعرف المؤمن الدنيا وأن يعلم أنها دار فناء فيقطع الطمع فيها ودار ابتلاء فيقاومها بالمجاهدة والفلاح فيها ومحاولة التحرر من قيودها وعوائقها .
فإذا قطع الصوفى عندهم مرحلة الزهد في رحلة الحرية انتقل إلى مقام الصبر مستصحبا ما سبق من المقامات .
[4] - الصبر:
فعندما يزهد الانسان فيما سوى الله يكون قد قطع منتصف الطريق ولهذا كان لازما أن توضع إرادته على المحك وأن يختبر مدى احتماله لمشقة الرحلة فالرحلة قام بها الكثير ، ولكن القليل هم الذين استمروا فيها ووصلوا إلى منتهاها .. إلى مقام الحرية وإن كان صعبا ، ولكن بمقدار صعوبة المسير فيه يكون الشعور بقيمة الحرية .
والبلايا التى تلم بالعبد لا تقصد لذاتها ولكن لاختبار مدى القدرة على الاحتمال ولتجديد العزيمة وشحذ الهمة على مواصلة السير في طريق التقوى قال تعالى:
التقوى منكم (1) .
يقول الخواص (2) :
( الصبر هو الثبات على أحكام الكتاب والسنة ) (3) .