ومِنْ عدم التفريق بين الشفاعة عند المخلوقين من الملوك ونحوهم وبين الشفاعة عند الخالق سبحانه حصل الضلال والشرك حيث تعلقت القلوب بغير الإله الحق سبحانه .
ومما يُهوّن معرفة ماتقدم أن الرب سبحانه هو الخالق لأفعال العباد فلا أحد يملك أن يتحرك قلبه بإرادة شفاعة لأحد إلا أن يكون الله يخلق ذلك فيه . وكذلك جوارحه . فالأمر كله له سبحانه . إن تأمل هذا ومعرفته بالقلب يعطي العبد فرقانًا عظيمًا بين الشرك والتوحيد بِقِسْمَيْه ويعرّفه معنى الكلمة العظيمة ( لاحول ولاقوة إلا بالله ) فهو المحرك للمتحرك والمسكّن للساكن في السموات والأرض . فهذا من توحيد الربوبية الذي يسْتلزم توحيد الإلهية .
وتأمل ماورد في حديث الشفاعة وهو في الصحيحين (آتي تحت العرش فأخِرّ ساجدًا فيدعني ماشاء الله أن يدعني ثم يقال: إرفع رأسك وقل تسمع واشْفع تشفّع قال: فيحدّ لي حَدًّا فأدْخلهم الجنة ؟) وإذا كان يُحَدّ له صلى الله عليه وسلم فرجع الأمر كله لله وطلب الشفاعة من غيره شرك وضلال . والأحاديث متواترة في شفاعته صلى الله عليه وسلم في العصاة من أهل التوحيد الذين يدخلون النار بذنوبهم وقد أجمع عليها الصحابة وأهل السنة قاطبة وبَدَّعُوا من أنكرها وصاحوا به من كل جانب ونادَوْا عليه بالضلال.
ثم قال: ولكن المسلمين الذين عُرفوا بالإتِّكاليه قدْ باتوا يفعلون كل منكر ويرتكبون عظائم الذنوب أتكالًا على نبيهم الذي سوف يخرجهم في حفْنة واحدة من النار ويلقي بهم في الجنة بفضله وكرمهِ وهم الذين شكاهم إلى ربه في صريح قرآنه وجَأَرَ بشكواه قائلًا:
{ يارب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا } (1) .
(1) ص 19 .