الجواب: أما أن يرتكب العبد عظائم الذنوب اتكالًا على الشفاعة فهذا إنما يفعله من هو مِن أجهل الناس لكن لايُرَدّ الباطل بباطل فشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ثابته للمذنبين من أهل التوحيد من أمته وإنكار ذلك رَدّ على الله أمره وعلى رسوله مابلّغه.
إن هذا هو مَشْرب الخوراج حيث عظّموا الرب سبحانه بما اخترعوه من عند نفوسهم ليس لهم فيه برهان حيث ضاقت صدورهم ولم تَتّسع لأن يرحم الله أهل التوحيد الذين اسْتَوْجبوا النار بذنوبهم فيخرجهم منها بالشفاعة . وقد وقعوا بأعظم مما فرّوا منه ولذلك ورد في ذمهم ماهو معلوم . والدين ليس بالرأي . وحَسْبُ العقل من الكمال أن يلْتزم ماورد به الكتاب والسنة وبفهم الصحابة .
وآية: { يارب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا } . تقدم أنها في المشركين لكن هجران القرآن أنواع متفاوته فأعظم هجرانه عدم الإيمان به ثم لمن هجره بالتقصير في حقه نصيب من الذم ولو كان مُوَحِّدًا ولا يُلْحقه ذلك بالكفار ولاتدل الآية على نفي الشفاعة بأي وجه .
ثم قال: والقرآن يقول: { لله الشفاعة جميعًا } وهو بذلك يجمع سلطة الشفاعة جمعيّة واحدة ويجعلها لله وحده ويقول: {مامن شفيع إلا من بعد إذنه } والسبب طبيعي فهو وحده الذي يعلم استحقاقات كل فرد ومافعل في دنياه من خير وشر وماهي أعْذاره إن كانت له أعذار . وهو الوحيد الذي يعلم قلبه وضميره ويعلم سّره ويعلم ماهو أخفى من ذلك السرّ . فماذا تضيف شفاعة أيّ شفيع لعلم الله ؟ { أتنبئون الله بمالا يعلم في السموات ولافي الأرض } (1) .
(1) ص 20 .