لاتدل على نفي الشفاعة مطلقًا . وإنما دلالتها القطعية على نفي الشفاعة من دونه وهي التي لم يأذن بها ولم يرض عن صاحبها . فهذه لا وجود لها في القيامة . أما في الدنيا فقد اتّخِذَتْ الشفعاء وتولاّهم المشركون ولن يُغنوا عنهم شيئًا حيث طلبوها ممن لايملكها . ولذلك يقول الموحّد: اللهم شفّع فيِّ نبيي لايقول: يارسول الله إشفع لي: فالرسول لايملكها ولايقدر عليها اسْتقلالًا.
أما جعل الأحاديث الثابتة عن الصادق المصدوق الذي لاينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم في حدود المتشابه فهذا زيغ وضلال ورَدّ على الرسول أمره .
قال ابن تيمية رحمه الله: ومقصود القرآن بنفي الشفاعة نفي الشرك وهو أن أحدًا لايعبد إلا الله ولايدعو غيره ولايسأل غيره ولايتوكل على أحد في أن يرزقه وإن كان الله يأتيه برزقه بأسباب. كذلك ليس له أن يتوكل على غير الله في أن يغفر له ويرحمه في الآخرة وإن كان الله يغفر له ويرحمه بأسباب من شفاعة وغيرها . فالشفاعة التي نفاها القرآن مطلقًا ماكان فيها شرك وتلك مُنْتفية مطلقًا . ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مَوَاضع . وتلك قدْ بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم أنها لاتكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص . فهي في التوحيد ومُسْتحقيها أهل التوحيد . إنتهى. (1)
تأمله فإنه فرقان في هذه المسئلة وأعلم أن نفي الشفاعة المراد منه . أن الشفاعة بغير إذنه غير حاصلة في القيامة . فنفاها سبحانه باعتبار أنها غير موجودة وكالشيء المعدوم في الآخرة .
ثم قال: وللأسف الشديد نحن نقرأ كتب السيرة والأحاديث بتسليم مطلق وكأنها قرآن منزل ومحفوظ . والله لم يقل لنا أنه تولى حفظ هذه الكتب . وهو لم يحفظ إلا القرآن وكل ماعدا
القرآن من كتب يجب أن تخضع للنقد والفحص مهما عظم شأن أصحابها . (2)
(1) الفتاوى 7/78 .
(2) ص 22 ، 23 .