"وهذا مقام عظيم فيه غلط الغالطون، وكثر فيه الاشتباه على السالكين، حتى زلق فيه من أكابر الشيوخ المدعين التحقيق والتوحيد والعرفان، مالا يحصيهم إلا الله الذى يعلم السر والإعلان، وإلى هذا أشار الشيخ عبد القادر رحمه الله فيما ذُكر عنه، فبين أن كثيرا من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، إلا أنا فإنى انفتحت لى فيه روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والرجل من يكون منازعا للقدر لا من يكون موافقا للقدر. والذى ذكره الشيخ رحمه الله هو الذى امر الله به ورسوله، لكن كثير من الرجال غلطوا، فإنهم قد يشهدون ما يُقَدّر على احدهم من المعاصى والذنوب، أو ما يُقَدّر على الناس من ذلك، بل من الكفر، ويشهدون أن هذا جار بمشيئة الله، وقضائُه وقدرُه داخل في حكم ربوبيته ومقتضى مشيئته، فيظنون الإستسلام لذلك وموافقته والرضا به ونحو ذلك دينا وطريقا وعبادة، فيضاهون المشركين الذين قالوا: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} ، وقالوا: {أنطعم من لويشاء الله اطعمه} ، وقالوا: {لو شاء الرحمن ما عبدناهم} ". (1)
رد الشبهة
وكعادة المخالف، يورد من كلام ابن تيمية ما يظنه تصوفا وليس كذلك، وينسى تعالما قراءة ما قبل ومابعد، ليتسنى له معرفة السبب الذي لأجله قال ابن تيمية ما قال وفهمه، فابن تيمية ذكر هذا الكلام عن عبدالقادر الجيلاني في كتابه العبودية في سياق تحليله العلمي للعبادة والعَبْد، وذكر ما يتعلق بذلك من الكتاب والسنة، وأن العبادة هي إسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، ومثّل لهذه الأمور بأدلة من الكتاب والسنة، وأن هذه العبادة هي التي المحبوبة والمرضية له سبحانه، ولأجلها خلق الخلق وأرسل الرسل، وأن من اصطفى سبحانه من عباده نعتهم بالعبودية، كقوله فيهم: (عباد الله وعباد الرحمن وعبادي) ونحوه.
(1) مجموع الفتاوى (10/158) .