وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، قال:"لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك. وعلى رقبته بعير له رغاء يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك. وعلى رقبته صامت فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك. أو على رقبته رقاع تخفق فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك". قال الحافظ في"الفتح" (6/186) : (قوله:"لا أملك لك شيئًا"أي: من المغفرة، لأن الشفاعة أمرها إلى الله) اهـ.
ففي هذه النصوص أكبر دليل على أن الشفاعة ملك لله وحده يأذن فيها لمن يشاء ويمنع من يشاء، وأنه لا يملك أحد لأحد نفعًا ولا ضرًا، لا شفاعة ولا هداية ولا غيرها، إلا بإذن الله، ولو كان الشفعاء مقربين ووجهاء، ولو كان المشفوع فيهم أقرباء.
فقول النبي صلى الله عليه وسلم:"أعطيت الشفاعة"ليس معناه استقلاله بها بحيث يشفع لمن يشاء، أو أن شفاعته مقبولة دائمًا، بل هي شفاعة أعطيها يوم القيامة لا تحصل قبل ذلك، ولا تكون إلا بعد إذن الله له بالشفاعة وتعيينه لمن يشفع فيهم كما دلت على ذلك النصوص الأخرى، وكذلك الشأن في سائر الشفاعات الأخرى التي ثبتت له صلى الله عليه وسلم ولغيره من الشفعاء.