فلو امتثلوا أمره ، كانوا مطيعين لرسل الله ، موحدين لله ، ونالوا بذلك السعادة من الله تعالى في الدنيا والآخرة ، فغلوا فيه ، واتخذوه وأمه إلهين من دون الله ، يستغيثون به ، وبغيره من الأنبياء والصالحين ، ويطلبون منهم ، ويشركون بهم ، وكذبوا بالرسول الذي بشر به ، وحرفوا التوراة ، التي صدق بها ، وظنوا في ذلك أنهم معظمون للمسيح ، وكان هذا من جهلهم ، وضلالهم .
فإنهم كلما أطاعوه ، فيما دعاهم إليه ، كان له مثل أجورهم ، وكانت طاعتهم له ، والإقرار بعبوديته ، وبما بشر به فيه ، وله ، ولهم من الأجر ، ما لا يحصيه إلا الله ، ففوتوا هذا الأجر والثواب عليهم ، وعليه ، وله ، ولهم فيه الخير المستطاب ، واعتاضوا عن ذلك بما ضرهم في الدنيا والآخرة .
وإذا بين لهم قدر المسيح، فقيل لهم:"ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام"، قالوا: إن هذا تنقص بالمسيح ، وسب له واستخفاف بدرجته ، وسوء أدب معه .
بل قالوا: هذا كفر ، وجحد لحقه ، وسلب لصفات الكمال الثابتة له ، ولعمري إن هذا إنما هو نقص لما في نفوسهم من الغلو فيه ، لا نقص لنفس المسيح الموجود في نفس الأمر.
وفي ذلك من الحمد له ، والمدح ، وإعظامه ، والإيمان به ، وإعطائه الدرجة العلية ، ما ليس في الغلو فيه ، لأن في هذا تقرير كمال عبوديته ، التي هي كمال المخلوق .
وهذا هو الكمال فأما الغلو فيه إلى حد الربوبية ، فذاك خيال باطل ، لا كمال حاصل ، وفي إثبات العبودية له إيمان به ، وموافقة لخبره وأمره ، فيحصل له بذلك من الخير والرحمة ، ما لا يحصل له بالغلو فيه ، الذي هو كذب فيه ، مكذوب عليه ، ومعصية له ، وإشراك بالله ، وليس في ذلك ما ينفعه ، ولا ما يرفعه ، بل في ذلك ضرر على المشركين المفترين.