ويبدو أن الصوفية قضوا على مجاهدة الكفار بالسيف بواسطة بث هذا الفكر ، كما أماتوا الغيرة الدينية والانتصار للحق ، فيقرر"التيجاني"أن"الأصل في كل ذرة في الكون أنها مرتبة للحق سبحانه وتعالى ، ويتجلى فيها بما شاء من أفعاله وأحكامه ، والخلق كلهم مظاهر أحكامه وكمالات ألوهيته ... ويستوي في هذا الميدان: الحيوان والجمادات والآدمي وغيره ، ولا فرق بين الآدمي وبين المؤمن والكافر فإنهما مستويان في هذا البساط ، ويكون على هذا ، الأصل في الكافر التعظيم لأنه مرتبة من مراتب الحق ... ولا يكون هذا إلا لمن عرف وحدة الوجود" (7) .
فأنت ترى أنه أقر أن من عرف وحدة الوجود: اعتقد أن تعظيم الكفار لابد منه لكونهم مرتبة من مراتب الحق ، أما إهانتهم وإذلالهم فلا تعدو أن تكون أحكاما طارئة ، والتعويل إنما هو على الأصل لا على ما طرأ .
وقال - ( أي: التيجاني ) - في رسالة إلى أهل فارس"وسلموا للعامة وولاة الأمر ما أقامهم الله فيه من غير تعرض لمنافرة أو تبعيض أو تنكير ، فإن الله هو الذي أقام خلقه فيما أراد ، ولا قدرة لأحد أن يخرج الخلق عما أقامهم الله فيه" (8) .
ولا ريب أن هذا الفكر يهدف إلى القضاء على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إسداء النصيحة لكل أحد ، ومحو الجهاد باللسان قبل الجهاد بالسنان ، وإلى مثل هؤلاء الناس أشار ابن تيمية حين قال"وهذا يقوله كثير من شيوخ هؤلاء الحلولية ، حتى إن أحدهم إذا أمر بقتال العدو يقول:"أقاتل الله ؟ ما أقدر أن أقاتل الله"، ونحو هذا الكلام الذي سمعناه من شيوخهم وبينا فساده لهم وضلالهم" (9) .