تقدّمْتُ بطلبِ الاستجازةِ إلى أحدِ أساطينِ هذه الطائِفَةِ بعد أن تأمّلتُ مدّةً لأَختارَ الأمثلَ منهم، فاستقرَّ رأيي على الشيخ سليمان بن عبد الله الخالدي المخزومي (1868-1976) وذلك لأسبابٍ: منها إنّه عربيٌّ، ومنها إنّه عالمٌ أديبٌ شاعرٌ مشارك في اختصاصاتٍ مختلفةٍ، له تآليف في الفقه والتصوّفِ ، ومنها إنّه أكبرُ سِناًّ من جميع شيوخ النقشبنديّة، إذ كانَ عمره يومئذٍ يُربي على المائةِ، ومنها إنّه ممّن درسَ عليهِ والدي، ومنها إنّه كانَ خليفةَ عَمٍّ لأبي في الطريقةِ.فطلبتُ منه أن يجيزني لأقومَ ببثِّ الطريقة النقشبنديّة نيابةً عنهُ في إسطنبول. إلاَّ أنّ هذا الأسلوبَ كانَ مخالفًا لعرف النقشبنديّة؛ لأنيِّ قمتُ بهذا الطلبِ من مسافةٍ بعيدةٍ، (من مدينة إسطنبول) ، وهو يقيمُ يومئذٍ في مدينة أَسْعِرْد Siirt،وأماَّ خطابُ المريدِ إلى شيخِهِ عن طريق المراسلة الكتابيةِ يُعَدُّ من الإساءةِ بأدب الطائفةِ إلاّ إذا تعذّرَ أو شقّ ذلك عليه، خاصّةً وأنّ مفهومَ الاحترامِ عند النقشبنديّينَ يختلفُ كلّ الاختلافِ عماَّ يفهمه الناسُ ويعتادونه.إنّ المريدَ أو الطالِبَ لهذه الصفةِ يجب عليه أن يكونَ مُستعداًّ للفداءِ بكلّ شيءٍ يملكه، وأن لا يمتنعَ عن القيامِ بأيِّ أمرٍ يُرضيِ به شَيْخَهُ ولو كان مُحَرَّمًا! فلا بدّ أن يمتثل له عن طيبةِ خاطرٍ.ومن جملة ما يجب على المريدِ أو على طالِبِ هذه الصفةِ أنْ يتقدّمَ بنفسِهِ إلى شيخِهِ وليس بإرسال كتابٍ.بيد إنّه أغضى عن ذلك فضلًا، بل زاد تواضُعًا فأجازني في أمدٍ قصيرٍ، قلّما رُزقَ طالِبٌ مثله.