وبينا أنا على هذه الصفةِ من العبثِ والخلطِ دونما انتباهٍ إلى ما في ذلكَ من اضطرابٍ وتناقُضٍ وتضارُبٍ وتعارُضٍ، فضلًا عماَّ أَبْذُلُ من الجهد للهيمنة على نفوس المريدين لأستدرجَهم إلى أعماقِ هذا العالَمِ المظلم، زارَني ذاتَ عشيَّةٍ شخصٌ من البارزينَ من أتباعي، اسمه موسى أباريِ، فلم تكن الساعةُ من الأوقات التي أستقبِلُ فيها الزائرينَ والضُّيوفَ. قلتُ في نفسيِ لعلّه جائني بأمرٍ عاجلٍ يستفتيني فيهِ؛ فلماَّ استقرَّ جالِسًا بعدَ أنْ أذِنْتُ لهُ بالجلوسِ، أخبَرَنِي: إنّه فوجِئَ بتهمةٍ يقصُدُ بها المتَّهِمُ، أنِّي وأتباعي نرتكبُ الشركَ باللهِ كلّما نَعْمِدُ إلى الرّابطة!
فلمَّا سمعتُ هذه الكلماتِ، نَبَضَتْ خَلَجاتُ الغضبِ في ضميري، إلاَّ أنّي أحجمتُ عماَّ بدأَ يجيشُ بينَ جوانحي من الثورةِ على هذا الاتّهام الجريءِ.-تُرىَ من يكون هذا الذي يرمينا بالشركِ ونحن عباد الله الصالحون، يتضرّعُ الناسُ إليه تعالى بجاهِناَ، وَيُقْسِموُنَ بِهاَماَتِناَ قبلَ أن يحلفوا بالله، ولا يتقرّبُ إلينا أحدٌ إلاَّ غايتُهُ التقرُّبُ إلى الله؟!... هكذا تصوّرتُ لَحَظاتٍ وأنا في صمتٍ وجمودٍ.
فلم يلبثْ حتَّى نابَتْني أَناَةٌ وأدركني انتباهٌ كأنِّي أستفيقُ من غشيةٍ أو أستيقظُ من سُباتٍ عميق. فَالْتَفَتُّ إلى مريدي، فَلاَطَفْتُهُ ونصحْتُهُ بالصبر وضبط النفس حتّى أتدبّرَ المسألةَ فأُخْبِرَهُ بما يجب القيامُ به إنْ كانَ يقتضي ذلك... وإلاَّ فالتجاهُل لمثلِ هذه الهفوات أفضلُ، دفعًا للفتنة وحفظًا للمروءَةِ... ثمّ صَرَفْتُهُ بِرِفْقٍ، وبدأتُ بالبحثِ عن حقيقة الرّابطة بعد تلكَ اللّحظةِ، وهذا الحدثُ يُعْتَبَرُ نقطةَ تَحَوُّلٍ جذريٍّ في حياتي.